في الشرق الأوسط، لا تسقط الصواريخ وحدها، بل تسقط معها الأقنعة. وهذا تمامًا ما حصل مؤخرًا، حين انفجرت مفاعلات إيران تحت ضربتين متتاليتين: واحدة من إسرائيل، والثانية – وهي الأهم سياسيًا – من الولايات المتحدة. ضربة أميركية بصيغة “تأديب الحليف والعدو معًا”. لم تكن فقط عسكرية، بل رمزية، هزّت خطاب طهران وتل أبيب، وأعلنت أن وقت النزول عن الشجرة قد بدأ.
إيران، التي بنت سرديتها على “حماية المشروع النووي”، قلّصت حلمها فجأة إلى مجرد “حماية النظام”. لا صوت اليوم عن تخصيب اليورانيوم، بل همس عن توازن الداخل. لم تعد تخاطب العالم كلغة دولة، بل جمهورها العقائدي كلغة نظام ضعيف. أصبح السؤال: كيف نقنع الإيرانيين وشيعة العالم أننا ما زلنا أقوياء؟ أن القبة لم تتصدّع؟ أن العمامة ما زالت الأساس؟ وهكذا، بدأت طهران تحتمي خلف وهم القوة النفسية بعدما تهاوت القوة الفعلية تحت قرار ترامب، الذي ساوى للمرّة الأولى بين تل أبيب وطهران بخطابه.
في المقابل، إسرائيل التي خرجت منذ 7 أكتوبر بخطاب التفوق الساحق، تلقت ضربات أظهرت هشاشتها. من غزة إلى الجنوب اللبناني، ومن الداخل إلى الهجمات الإيرانية، سقطت أسطورة الجيش الذي لا يقهر. الضربة الأميركية الأخيرة كانت بمثابة رسالة: “نحن نحميكم… لكن لا تفرطوا بالحماسة”.
إسرائيل بلا ظهر أميركي ليست أكثر من كيان عار في صحراء تعج بالارتدادات.
هكذا تنزل إيران عن شجرة النووي، وإسرائيل عن شجرة الغطرسة. كلاهما اكتشف حجمه الحقيقي. لا طهران قطب عالمي، ولا تل أبيب عاصمة عظمى.
المفارقة أن كل طرف انكسر لحظة ظن فيها أنه بأوج قوته. إيران أرادت فرض معادلة نووية، فطلبت عدم المساس بالنظام. وإسرائيل أرادت الإخضاع، فاستنجدت.
بين طهران وتل أبيب، يبدأ التراجع، لا كخيار سياسي، بل كضرورة. فبعد هذه الحرب, لن يبقى الخطاب كما كان. لقد أُجبر الخصمان على النظر في المرآة، فكان الانكشاف. وهكذا، بدأ النزول عن الشجرة… لا من باب العقلانية، بل من باب النجاة.