في الحروب، لا تقتصر الخسائر على المباني المدمرة أو أعداد الضحايا، بل تمتد إلى المؤسسات التي تُبقي الحياة ممكنة. ويُعد القطاع الصحي من أكثر القطاعات حساسية في أوقات النزاعات المسلحة، إذ تتحول المستشفيات إلى الملاذ الأخير للجرحى والمرضى، فيما يجد الأطباء والممرضون أنفسهم في الصفوف الأمامية لإنقاذ الأرواح. لذلك، لم يمنح القانون الدولي الإنساني حماية خاصة للمستشفيات والعاملين الصحيين من باب الامتياز، بل انطلاقاً من ضرورة ضمان استمرار الرعاية الطبية وعدم حرمان المدنيين من حقهم في العلاج حتى في أحلك الظروف.

وتؤكد اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 أن المستشفيات المدنية والوحدات الطبية تتمتع بحماية خاصة أثناء النزاعات المسلحة، ولا يجوز استهدافها أو عرقلة عملها أو تعريضها للخطر، ما دامت تؤدي وظيفتها الإنسانية ولا تُستخدم في أعمال عسكرية. كما تلزم أطراف النزاع باحترام الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنيب المرافق الصحية آثار العمليات العسكرية وضمان وصول الجرحى والمرضى إلى العلاج.

ورغم هذه الحماية القانونية، أثبتت النزاعات الحديثة أن النصوص القانونية وحدها لا تكفي دائماً لحماية المرافق الصحية. فقد وثّقت منظمات دولية خلال السنوات الأخيرة عشرات الهجمات التي طالت مستشفيات ومراكز صحية وسيارات إسعاف في مناطق نزاع مختلفة، وهو ما أثار تحذيرات متكررة من تراجع احترام قواعد القانون الدولي الإنساني. وفي لبنان، لم يكن القطاع الصحي بمنأى عن تداعيات الحرب، إذ وجدت مستشفيات عدة نفسها أمام تحدي الاستمرار في العمل وسط الغارات والدمار والضغط المتزايد على أقسام الطوارئ.

ومن بين هذه المستشفيات، برزت تجربة مستشفى السان تيريز الواقعة في منطقة الحدث، التي واصلت عملها رغم وقوعها في منطقة شهدت غارات متكررة وفي محيط تعرض للقصف أكثر من مرة. وبحسب إدارة المستشفى، لم تكن الأيام تمر من دون مخاطر حقيقية، إذ كانت قوة الانفجارات تتسبب بأضرار في المبنى وبعض مرافقها نتيجة قرب الغارات، ما فرض تنفيذ أعمال صيانة وإصلاح بصورة متواصلة لضمان استمرار العمل.

ورغم هذه الظروف، لم يتوقف المستشفى عن استقبال المرضى والمصابين. ففي الوقت الذي كانت فرق الصيانة تعمل على إصلاح الأضرار التي خلفتها الانفجارات، كانت أقسام الطوارئ وغرف العمليات والطواقم الطبية تواصل أداء مهامها بشكل طبيعي قدر الإمكان، في مشهد يجسد حجم المسؤولية التي تحملها العاملون في القطاع الصحي خلال الحرب. فالتحدي لم يكن يقتصر على معالجة الإصابات، بل شمل أيضاً الحفاظ على جاهزية المستشفى وتأمين استمرارية الخدمات الطبية وعدم السماح للخطر الأمني بأن يتحول إلى سبب لحرمان المرضى من العلاج.

ويؤكد القائمون على المستشفى أن الهدف الأساسي كان ضمان بقاء أبوابه مفتوحة أمام كل من يحتاج إلى الرعاية الصحية، مهما بلغت صعوبة الظروف. وبينما كانت أصوات الغارات تُسمع في محيط المستشفى، كان الأطباء والممرضون والإداريون يواصلون عملهم، مدركين أن توقف المؤسسة عن العمل قد يعني فقدان عشرات المرضى فرصتهم في العلاج أو إنقاذ حياتهم.

وتُبرز هذه التجربة أهمية الحماية التي يمنحها القانون الدولي الإنساني للمرافق الصحية. فهذه الحماية لا تقتصر على منع الاستهداف المباشر للمستشفيات، بل تشمل أيضاً واجب أطراف النزاع في تجنب تعريضها للأخطار واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل آثار العمليات العسكرية عليها، بما يضمن استمرار قدرتها على تقديم الخدمات الطبية للمدنيين. وعندما تؤدي العمليات العسكرية إلى إلحاق أضرار بالمستشفيات أو تعطيل عملها من دون مبرر ينسجم مع قواعد القانون الدولي، فإن ذلك قد يشكل انتهاكاً لهذه القواعد، وقد يرقى، بحسب ظروف كل حالة، إلى جريمة حرب.

لقد كشفت الحرب أن صمود القطاع الصحي لا يرتبط فقط بتوافر المعدات والأدوية، بل أيضاً بإصرار العاملين فيه على مواصلة أداء رسالتهم رغم المخاطر. وتجربة مستشفى السان تيريز ليست مجرد قصة مؤسسة نجحت في الاستمرار، بل مثال على الدور الذي تؤديه المستشفيات في حماية الحق في الحياة عندما تصبح الحرب واقعاً يومياً.