أمن دولة على ضوّ “قداحة”… هكذا أنقذتني القداحة من حاجز للدرك في منطقة الزلقا
10/08/2026
A
لم أكن أتوقع أن تكون أكبر معجزة تحصل معي في بيروت مرتبطة بقداحة شرطي درك.
منذ فترة قصيرة انتقلت للعيش في بيروت، وما زلت أتعرف على شوارعها وطرقاتها. وفي إحدى الليالي، وبعد أن خرجت من الـGYM في منطقة الزلقا، وجدت نفسي أمام حاجز للدرك لم يكن في الحسبان. أوقفني الشرطي جانبًا وبدأ بالأسئلة الروتينية: الهوية، دفتر تسجيل السيارة، ورخصة القيادة.
قدّمت له هويتي، فكانت المشكلة الأولى أن الطريق كان مظلمًا بالكامل. لا إنارة كافية، لا كهرباء، ولا حتى ضوء يساعده على رؤية المستندات. الحل؟ أخرج قداحته من جيبه وأضاء بها الهوية ليتأكد من المعلومات.
طلب بعدها دفتر تسجيل السيارة. لحسن الحظ، كنت قد سجلت السيارة باسمي منذ فترة قصيرة، فتمكن من التأكد من ملكيتها.
ثم جاء السؤال الأصعب: دفتر القيادة. وهنا بدأت الدراما داخل رأسي.
أنا لم أحصل بعد على الرخصة. ليس لأنني لا أريد ذلك، بل لأن مدارس تعليم القيادة توقفت في الفترة الأخيرة عن استقبال الطلاب ومنح دفاتر القيادة. وعندما حاولت سابقًا، اصطدمت بتكاليف مرتفعة جدًا تجاوزت الألف دولار للحصول على الرخصة.
في تلك الثواني، بدأت أعيش كل السيناريوهات الممكنة: سيحجزون السيارة، كيف سأعود إلى المنزل؟ هل أحمّل تطبيق أوبر؟ هل أتصل بصديقي؟ كيف سأسترجع السيارة؟ كم من الوقت ستأخذ المعاملة؟
ثم، ومن باب اليأس، قدّمت له بطاقة الجامعة، منتهية الصلاحية منذ عام 2022.
وضعت في رأسي خطة طوارئ: إذا سألني عنها سأشرح له القصة كاملة، سأروي له معاناتي مع دفتر السوق، ربما يتفهم، وربما لا.
أخذ الشرطي البطاقة.
وفي اللحظة الحاسمة… انطفأ ضوء القداحة.
حاول تشغيلها مرة، مرتين، أكثر من مرة… لكن الضوء بقي معطلًا.
وهو يحاول، بدأت السيارات خلفي بإطلاق أبواقها، فازدحم المكان، ونظر إليّ الشرطي، أعاد لي بطاقة الجامعة وقال:
“روح روح… الله معك.”
لا أعرف إن كان الله فعلًا تدخّل في تلك اللحظة، أم أنها كانت مجرد مصادفة صغيرة صنعت فرقًا كبيرًا. لكنني أعرف أن شيئًا ما حدث أنقذني من ليلة طويلة من الإجراءات.
المشهد كله كان يلخّص لبنان بطريقة ساخرة ومؤلمة في الوقت نفسه: شرطي يحاول تطبيق القانون لكنه لا يملك مصباحًا ليرى أوراق الناس، فيلجأ إلى ضوء القداحة. عاصمة مثل بيروت تغرق في العتمة، ومؤسسات تحاول العمل وسط ظروف تفوق قدرتها.
فعلًا، مصائب قوم عند قوم فوائد.
شكرًا لمن أوصل الكهرباء إلى هذه المرحلة، وشكرًا لمن جعل المؤسسات العامة تعمل عالقداحة، وشكرًا لذلك الشرطي الذي لم يطلب مني تشغيل ضوء السيارة الداخلي، وشكرًا للسائقين خلفي الذين أرادوا فقط أن يكملوا طريقهم فأنقذوني.
أما أنا، فوعد مني: أول ما تفتح مدارس السوق أبوابها، سأكون أول الواصلين للحصول على دفتر.
شكرًا للوطن، ولضوّ القداحة.
