عندما يتّسع لبنان في حقيبة: هكذا أصبحت حقيبة السفر جزءًا من هوية اللبناني
24/08/2026
A
في الأيام الأخيرة، اكتشفت أن أكثر ما يشبه اللبناني ليس شجرة الأرز، ولا البحر، ولا الجبل… بل حقيبة السفر.
اكتشفت ذلك دون قصد.
صباح السّبت، التقيت صديقًا عزيزًا من بلدة بينو – عكّار. جلسنا على فنجان قهوة، وبدأنا نستعيد سنوات مضت. أخبرني أنه أغلق شركته للاستيراد والتصدير، التي أسسها عام 2017، بعدما ابتلعتها أزمة انهيار الليرة اللبنانية.
قال لي وهو يبتسم ابتسامة من يعرف أن الضحك أحيانًا هو الوسيلة الوحيدة لمقاومة الوجع: “هل تتذكر كيف كنا ندفع الرواتب؟”
ثمّ أجاب هو بنفسه.
كان يحمل حقيبة سفر كبيرة، يضع فيها رزمة صغيرة من الدولارات، ثم يذهب ليصرفها إلى الليرة اللبنانية. وما إن تتحول تلك الدولارات إلى أوراق نقدية من فئة المئة ألف ليرة، حتى تمتلئ الحقيبة. حقيبة سفر كاملة، فقط ليتمكن من دفع رواتب موظفيه.
كانت الأزمة، يومها، تحتاج إلى حقيبة.
ولم تمضِ ساعات، حتى اتصل بي صديق آخر… هذه المرة من بنت جبيل.
لم يسألني عن السياسة، ولا عن الأخبار، ولا عن الحرب، كما اعتدنا سابقاً.
سألني إن كنت أعرف منزلًا للإيجار.
قال لي أنه وضع ثيابه في حقيبة سفر، ثم وضع ما تبقى من منزله في حقائب سفر أُخرى. حياته كلها أصبحت حقائب مصطفّة قرب الباب، بانتظار مكان جديد يأويه هو وعائلته.
أعطيته رقم أحد أقاربي، وبعد ساعات، علمت أنه على الأرجح وجد منزلًا في الشّمال.
وفي المساء، كتب لي صديق يعيش في فرنسا.
أخبرني أنه منذ شهر كامل يعيش بحقيبة مقفلة.
كلما ملأها بالثياب، حجز تذكرة إلى لبنان. وكلما اقترب موعد الرحلة، أُلغيت الرّحلات بسبب الأوضاع الأمنية.
أربع مرات أُلغي حجزه.
وأربع مرات بقيت الحقيبة كما هي.
قال لي أنه لم يعد يجرؤ على تفريغها، لأنه يشعر أن فتحها يعني الاعتراف بأنه لن يعود قريبًا.
وفي الليل، فتحت هاتفي كعادتي، لأعرف ماذا سأغطي في اليوم التالي كصحفي يعمل في مؤسسة.
كانت العناوين متشابهة بطريقة مؤلمة:
ضبط حقيبة سفر مليئة بالأموال كانت في طريقها إلى جماعة معيّنة.
وضبط حقيبة أخرى مليئة بالذهب، قيل إنها كانت معدّة لتمويل أنشطة هذه الجماعة.
أغلقت الهاتف.
وفي صباح اليوم التالي، وصلت إلى عملي، فتحت الصحف، فوجدت عنوانًا جديدًا.
ضبط حقيبة مليئة بحبوب الكبتاغون في مرفأ بيروت، كانت متجهة لتمويل جماعات إرهابية.
عندها توقفت.
أغلقت الحاسوب.
وجلست أفكر…
ما الذي حدث بين اللبناني وحقيبة السفر؟
كيف تحولت هذه القطعة الصغيرة، التي صُنعت أصلًا لنحمل فيها بعض الثياب، إلى مرآة تختصر حياة شعب كامل؟
في كلّ دول العالم، ترتبط حقيبة السفر بالإجازات، بالمطارات، بالصور الجميلة، بالعودة محمّلة بالهدايا والذكريات.
أما في لبنان، فلها حكاية أخرى.
هي الحقيبة التي يحملها المغترب عندما يعود، محمّلًا بالشوق والهدايا.
وهي الحقيبة التي يحملها الشاب عندما يهاجر، تاركًا وطنًا لم يعد يتّسع لأحلامه.
وهي الحقيبة التي يحملها النّازح، بعدما اضطر إلى أن يختصر منزله كله في بضعة سحّابات.
وهي الحقيبة التي كانت تحمل أكوام الليرات اللبنانية في زمن الانهيار المالي.
وهي الحقيبة التي تتصدر الأخبار، مرة مليئة بالدولارات المهرّبة، ومرة بالذهب، ومرة بالكبتاغون.
لكنها أيضًا…
حقيبة المكدوس.
وحقيبة الزعتر.
وحقيبة الكشك.
وحقيبة المونة التي تصر الأمهات أن تسافر مع أبنائهن، لأن الوطن، حين يعجز عن احتواء شبابه، يسافر معهم.
وفي كل بيت لبناني تقريبًا، للحقيبة وظيفة أخرى.
في نهاية الصيف، تُفتح لتبتلع الثياب الصيفية، وتخرج منها الثياب الشتوية.
وفي نهاية الشتاء، يحدث العكس.
ثم تعود إلى مكانها فوق الخزانة، أو إلى “التّختيّة” فوق الحمّام، تنتظر فصلًا جديدًا، أو سفرًا جديدًا، أو أزمة جديدة.
كأنها لا تنام أبدًا.
ولا تهدأ.
وربما لهذا السبب، لا تشبه حقيبة السفر في لبنان أي حقيبة أخرى في العالم.
لأنها تحمل الاقتصاد حين ينهار.
وتحمل البيت حين يُدمّر.
وتحمل الحنين حين يهاجر صاحبه.
وتحمل المونة حين يشتهيها المغترب.
وتحمل أسرار الحدود حين تتسلل الأموال والذهب والمخدرات.
وتحمل الفصول حين تتبدل المواسم.
وتحمل، في النهاية، شيئًا من كل لبناني.
ربما لهذا السبب، حين تنظر إلى حقيبة سفر في أي مطار في العالم، ترى مجرد حقيبة.
أما أنا،
فأرى داخلها وطنًا كاملًا.
