لسنوات طويلة، ارتبط الاستقرار في لبنان بمفهوم “السلم الأهلي”. وكأن المطلوب من اللبنانيين، قبل أي شيء، أن يتجنّبوا الصدام، وأن يحافظوا على توازن هشّ بين مكوّنات تتقاسم البلد، والنفوذ، والسلاح، والقرار.

لكن هل يكفي ألّا يتقاتل اللبنانيون حتى يكون لبنان في حالة سلام؟

السلم الأهلي، بمعناه التقليدي، نجح أحيانًا في منع الانفجار، لكنه لم ينجح في بناء دولة قادرة على حماية هذا السلام. فكلما اختلّ ميزان القوى، عاد البلد إلى نقطة الصفر، وعاد اللبنانيون إلى البحث عن تسوية جديدة تمنع الحرب بدل أن تؤسس للاستقرار.

اليوم، ربما حان الوقت للانتقال من مفهوم السلم الأهلي إلى “السلم الوطني”.

السلم الوطني لا يقوم على هدنة بين الطوائف، ولا على تفاهمات بين القوى السياسية، ولا على معادلة توازن تمنع طرفًا من استخدام قوته في وجه طرف آخر. السلم الوطني يقوم على قاعدة أبسط وأكثر صلابة: وطن واحد، دولة واحدة، قانون واحد، وقرار واحد.

فاللبناني لا يحتاج إلى حماية طائفته من اللبناني الآخر، بقدر ما يحتاج إلى دولة تحميه وتحمي الآخر. ولا يحتاج كل مكوّن إلى ضمانة خاصة به، إذا كانت هناك دولة تضمن حقوق الجميع وتفرض القانون على الجميع.

المشكلة ليست في تنوّع لبنان. هذا التنوع هو جزء من هويته. المشكلة تبدأ عندما يتحول التنوع إلى ذريعة لتعدد السلطات، وعندما يصبح السلاح خارج الدولة جزءًا من المعادلة الداخلية، وعندما يصبح قرار الحرب والسلم قابلًا لأن يُتخذ خارج المؤسسات الدستورية.

عندها، لا يعود السلم الأهلي سلامًا فعليًا، بل يصبح مجرد إدارة للخلاف وتأجيلًا للأزمة.

أما السلم الوطني، فيفترض أن يكون نتيجة لدولة تستعيد كامل مسؤولياتها، ولشراكة سياسية لا تحتاج إلى سلاح يحميها، ولمواطنة لا تجعل حقوق اللبناني مرتبطة بحجم القوة التي تمثل طائفته.

لبنان لا يحتاج إلى طوائف مسالمة تتعايش فوق دولة ضعيفة. يحتاج إلى لبنانيين متساوين داخل دولة قوية وقادرة.

ومن هنا، فإن الانتقال من السلم الأهلي إلى السلم الوطني ليس مجرد تغيير في المصطلحات. إنه تغيير في النظرة إلى لبنان نفسه: من بلد تتعايش فيه الجماعات، إلى وطن يجمع مواطنين؛ ومن توازنات تمنع الانفجار، إلى دولة تمنع أسبابه؛ ومن تسويات تحفظ الهدوء، إلى مؤسسات تحفظ الاستقرار.