

الحروب، الإبادة، الميليشيات، التسوية: سلسلة ملاحظات “ممنوعة”
10/06/2024
A
ظلام حالك يسيطر على المشهد في منطقتنا: في فلسطين، احتلال يقتل ويرتكب أبشع أنواع القتل والمجازر ويقتلع شعباً من أرضه. في لبنان، شلل وعجز شامل، وفي جنوبه حرب ورعب وميليشيات خطفت البلد وصادرت قرار السلم والحرب. في سوريا، ديكتاتور يحكم على الركام والأشلاء في بلد تتناتشه مصالح الدول. في ظل هذا المشهد السوداوي، وفي منطقة تغلي باحتمال نشوب حرب مدمّرة، أطرح بعض الملاحظات غير المنظّمة، التي أصبحت من “الممنوعات” في دوائر شهدت الهيمنة الأخلاقية لحزب الله ومثقفيه.
حرب حزب الله – إسرائيل
الحرب على حساب من؟ ولمصلحة من؟
الحرب الشاملة من مصلحة من لديه القدرة على التدمير الممنهج، من لديه الملاجئ والبنى التحتية. إسرائيل، التي ترتكب أبشع المجازر في غزة، قد تبحث عن منفذ لتوسيع الحرب ومعها مشروع نتنياهو السياسي وجنونه “المدروس.” حزب الله، الميليشيا التي حولت الجنوب إلى صندوق بريد وساحة معارك تديرها إيران، يخلق الظروف لتوسيع الحرب على حساب وجودنا بحد ذاته. بينما ننتظر تسوية قد تكلفنا حمام دم أو على حساب تعزيز قبضة حزب الله على حياتنا، فإن الدولة اللبنانية تبدو وكأنها في إجازة في جزر الكاراكو.
هل إسرائيل استثناء؟
في ظل الإبادة وحفلة الجنون والعنف التي تضرب المنطقة، لا بد من التوقف قليلاً للبحث عن إجابات لبعض الأسئلة في السياسة: هل إسرائيل استثناء؟ أي مشروع يمكن أن يواجه المشروع الإسرائيلي؟ أي نوع من الدولة الفلسطينية نطمح إليه، وأيها نرفض؟
إسرائيل ليست استثناء، وليست “الشر الوحيد” الذي يحيط بنا. بعض الاحتلالات مرئية وتقليدية، وأخرى هجينة ومخفية، مثل تلك التي تسيطر على البلد وجنوبه. إسرائيل “نتيجة”وفي ظلّ الإبادة تعود الثنائيات الحقيرة إما أن تكون مع إسرائيل أو مع حزب الله، إمّا أن تكون مع الاحتلال أو مع أنظمة الاستبداد، ولكن لا بدّ من خيارٍ ثالث يرفض الثنائيات القاتلة، لا بدّ من قلّة قليلة تتمسّك بالخيال السياسي، فالخيال السياسي والنقد لا سيما في ظلّ الحرب مقاومة.
مشروع إيران الإقليمي قائم على العسكرة والتوسع والسلطوية، وهو تقسيمي على أسس عرقية ودينية، تماماً مثل المشروع الإسرائيلي. فلسطين التي نطمح إليها لا تشبه هذا المشروع. مواجهة المشروع الإسرائيلي لا يمكن أن تكون من خلال مشروع مشابه بل من خلال مشروع مناقض: مشروع ديمقراطي إنسانوي. الأنظمة الاستبدادية والميليشيات الإقليمية لا يمكن أن تكون نقطة انطلاق للتحرر الوطني.
هل حزب الله هدفه الدفاع وهل هو قادر على الردع؟ الخيار الثالث ضرورة
في لبنان، لا مخرج من المأزق السياسي إلا من خلال الاعتراف بأزمة إسرائيل كمشروع استعماري وعلى حد سواء الاعتراف بأزمة حزب الله كذراع أمني لنظام عسكري ديني إلغائي. لا يمكن الخروج من هذا المأزق إلا من خلال وضع آلية تمثيلية حقيقية تفرض صيغة مشتركة للدفاع بعيداً عن مصالح المحاور، خاصة في ظل ضعف حزب الله الموضوعي كلاعب عسكري (والأرقام لا تكذب)، رغم قوته المفروضة داخلياً على المستوى الأمني.
أمّا نحن أصحاب “الخيار الثالث”، فلسنا “سلبيين” ولكن نعرف منطقتنا ونرفض الدجل والتسويات على حساب أجسادنا وبلادنا، نعرف أن نتائج “الكباش” بين أنظمة الاستبداد والاستعمار لن تأتي بتحرّر، فنتائج الماضي أتت ببنى إجتماعية قائمة على تعذيب عشرات الآلاف بسجون الأسد وتهجير ملايين السوريين، تدمير وإفقار لبنان وملشنة العراق..
بناء خارطة طريق للتحرر لا يمكن أن يكون بالرهان على المحاور التي لم تأتي لبلادنا إلّا بالويل، بلادنا التي أصبحت “خارج الزمان”..
