

حين تقلع الطائرة من الريف ومن تحتها بقرة… تتجلّى اللامركزيّة في أعظم صورها
09/06/2026
A
في لحظات قليلة، تتحول الصور من مجرد لقطات عابرة إلى أسئلة كبرى عن معنى الدولة واتجاهها. صورة طائرة تهبط على مدرج مطار القليعات، ومن تحتها بقرة ترعى بهدوء، لم تكن بالنسبة للبعض سوى مادة للتعليق أو السخرية. لكن في العمق، هذه الصورة تفتح نقاشاً أوسع بكثير من إطارها: كيف تُبنى الدولة؟ وأين يبدأ المركز وينتهي الهامش؟
في افتتاح مطار رينيه معوض في منطقة القليعات – عكار، أشار رئيس الحكومة في كلمته إلى أن هذا المشروع يشكل خطوة أولى في مسار اللامركزية الإدارية. وهذه العبارة، على بساطتها، تحمل تصوراً كاملاً لإعادة توزيع الدولة على الجغرافيا، وعلى المواطن، وعلى فرص الحياة نفسها.
اللامركزية ليست مجرد نقل مؤسسات من العاصمة إلى الأطراف، بل هي إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة. أن لا يبقى الوصول إلى الحقوق مشروطاً بالانتقال إلى “المركز”، بل أن تصبح الدولة حاضرة حيث يوجد الإنسان. من هنا تصبح صورة البقرة والطائرة أكثر من مشهد متناقض؛ إنها تعبير عن إمكانية التعايش بين الريف والدولة الحديثة في لحظة واحدة، دون إلغاء أحدهما للآخر.
الدولة ليست مدينة فقط، ولا يمكن اختزالها بواجهة بحرية أو أبراج زجاجية وناطحات سحاب. هي ريف كما هي مدينة، سهل كما هو ساحل، زراعة كما هي إدارة، مواطنة كما هي مؤسسات. وكسر هذه الثنائية الوهمية بين “المركز المتقدم” و”الأطراف المتأخرة” هو المدخل الحقيقي لأي إصلاح تنموي جدي.
حين يرى البعض البقرة في خلفية مشهد الطائرة، فإنهم يقرأونها كتناقض. لكن في منطق التنمية المتوازنة، هذا هو الانسجام نفسه: أرض تُزرع، وطائرة تقلع وتهبط، وحياة يومية تستمر دون أن تُجبر على التخلي عن هويتها الريفية كي تكون جزءاً من الحداثة، والمزارع يدعم الاقتصاد الزراعي كما يدعم المصرف الاقتصاد المالي…
الحداثة لا تُقاس بارتفاع الأبراج ولا بكثافة الخرسانة، بل بقدرة الدولة على الوصول إلى مواطنيها أينما كانوا. يمكن لمبنى تابع لوزارة الداخلية أن يكون في سهل زراعي، يحيط به القمح بدل الإسفلت. ويمكن لمركز للأمن العام أن يخدم قرى بأكملها دون أن يمر عبر زحمة العاصمة.
في هذا النموذج، يصبح المواطن هو المركز، لا العاصمة. وتصبح العدالة في توزيع الخدمات هي المعيار، لا الموقع الجغرافي للمؤسسات.
من حقّ المزارع في البقاع وعكّار، أن يحصل على إخراج قيد فردي وعائلي، وأن ينهي معاملاته الإدارية في مركز قريب منه، دون أن يُجبر على قطع المسافات الطويلة نحو بيروت من أجل أبسط الحقوق الإدارية. كما أن من حقه أن يسافر عبر مطار قريب منه، يربطه بالعالم مباشرة، بدل أن يظل المرور بالعاصمة شرطاً شبه دائم لكل حركة أو تنقل.
في النهاية، حين تستطيع بقرة أن ترعى قرب مدرج مطار، دون أن يكون في ذلك أي تناقض مع طائرة تعبر السماء، يمكن عندها القول إن الدولة بدأت تقترب فعلاً من معنى اللامركزية.
