في أوائل الألفية الثانية، كانت إحدى سيدات مدينة النبطية لا تزال متمسكة بموروثات وعادات شيعة جبل عامل. لم تكن ملحدة، ولم تكن معادية للدين. على العكس، كانت مؤمنة ومتدينة بطريقتها الخاصة. كانت تضع غطاءً على رأسها وترتدي لباساً محتشماً، لكنها رفضت ارتداء “الشادور” الأسود، الدخيل على تقاليد شيعة جبل عامل، والذي بدأ يتحول في تلك المرحلة إلى جزء من الصورة التي أرادها حزب الله للبيئة الشيعية في الجنوب.

في ذلك الوقت، كان حزب الله في أوج صعوده. وكان قد قضى على ما تبقّى من أشكال المقاومة الأخرى، وفرض نفسه القوة الوحيدة المهيمنة في الجنوب تحت عنوان مقاومة “العدو”، ولا سيما بعد تحرير الجنوب عام 2000. كان الرفض كافياً، ولم يُترك لها هامش الاختيار. بل تعرضت للترهيب، ووصل الأمر إلى إلقاء الزيت المغلي عليها، في رسالة واضحة: هناك حدود لما يمكن للمرأة الشيعية أن تختاره بنفسها، ومن يتجاوز هذه الحدود يدفع الثمن. قد تبدو هذه الحادثة اليوم بعيدة زمنياً، لكن المشكلة أن الفكرة نفسها لم تختفِ.

بعد نحو ثلاثة عقود، وفي بيئة مختلفة تماماً، تكررت القصة بشكل آخر.

إحدى الزميلات من مدينة بعلبك تنتمي إلى عائلة ذات خلفية يسارية. بعد انتخابات عام 2018، زار وفد من حزب الله منزل العائلة ضمن سلسلة الزيارات السياسية والاجتماعية التي يقوم بها الحزب في المنطقة.

لكن الحديث لم يقتصر على السياسة. سأل أحد أعضاء الوفد والد الزميلة: “شو ناطر؟ ليش بناتك بعد ما تحجبوا؟”. لم يكن السؤال استفساراً دينياً، كان تدخلاً مباشراً في خيار شخصي يفترض أن يخص العائلة وبناتها وحدهن.

غضب الأب وطرد الوفد من منزله. قال لهم بوضوح إن بناته حرّات في اتخاذ القرار الذي يناسبهن، وإن لا أحد يملك الحق في فرض نمط حياة عليهن.

بين النبطية في أواخر التسعينات وبعلبك في عام 2018، تتغير الأمكنة والظروف، لكن تبقى الفكرة نفسها: هناك دائماً سلطة اجتماعية وسياسية تحاول أن تحدد للشيعي كيف يعيش، وكيف يفكر، وكيف يلبس، وحتى كيف يعارض.

هذه السلطة لا تظهر فقط في القضايا الاجتماعية أو الدينية، بل تتجلى بصورة أكثر وضوحاً عندما يتعلق الأمر بالسياسة.

خلال الحرب الأخيرة، ظهرت السيدة زينب في مقابلات إعلامية عدة منتقدةً حزب الله والطريقة التي أُدخل بها لبنان إلى الحرب. لم تدافع عن إسرائيل، ولم تبرر جرائمها، بل وصفتها بوضوح بأنها دولة معتدية ومجرمة.

فور إعلان موقفها المعارض، بدأت حملة منظمة من التخوين والشتائم والاتهامات. وُصفت بالعميلة والخائنة والمتعاملة مع إسرائيل. تعرضت للإساءة الشخصية وانتهاك الكرامة والتشهير على نطاق واسع.

وفي إحدى الإطلالات التلفزيونية، وصل الأمر بأحد مناصري حزب الله إلى مطالبتها بخلع حجابها، قبل أن يوجه إليها تهديداً مباشراً مفاده أنها لن تتمكن من العيش في الضاحية الجنوبية، وأنها إذا عادت إليها “سيتم تكسير رجليها”.

هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل شيعة لبنان مخيّرون أم مسيّرون؟

التخوين داخل البيئة الشيعية لا يقف عند حدود الشتائم أو الحملات الإلكترونية، بل يتجاوزها أحياناً إلى أثمان اجتماعية واقتصادية ومعيشية حقيقية.

فالسيدة زينب، التي تعرضت لحملة واسعة بسبب مواقفها السياسية المعارضة لحزب الله، لم تجد نفسها في مواجهة جمهور غاضب فحسب، بل اضطرت أيضاً إلى مغادرة منزلها والبحث عن مكان آخر للإقامة بعد تصاعد الضغوط والتهديدات التي تعرضت لها.

والمفارقة أنها وجدت ملاذها لدى سيدة أخرى تدعى ميرنا، وهي أيضاً نازحة سياسية من النبطية. فميرنا كانت قد اضطرت في وقت سابق إلى مغادرة مدينتها والاستقرار في فرن الشباك بعد تعرضها للتهديد بسبب آرائها السياسية المعارضة، ووصلت التهديدات إلى حد استهدافها واستهداف ابنتها.

تكشف هاتان الحالتان جانباً أقل ظهوراً من معاناة المعارضين الشيعة، إذ لا يتعلق الأمر فقط بالقدرة على التعبير عن الرأي، بل بالقدرة على الاستمرار في العيش داخل البيئة نفسها من دون أن يتحول الموقف السياسي إلى خطر على السكن أو العمل أو العلاقات الاجتماعية.

ففي كثير من الحالات، لا يقتصر النبذ على المجال الاجتماعي، بل يمتد إلى المجال الاقتصادي أيضاً. فالسيدة زينب اضطرت إلى ترك عملها كأستاذة بسبب مواقفها السياسية، كما يروي عدد من المعارضين الشيعة قصصاً مشابهة عن خسارة وظائف أو فرص عمل أو تعرضهم للتضييق بسبب آرائهم.

ولا يمكن فهم هذه المسألة بمعزل عن طبيعة البنية التي بناها حزب الله خلال العقود الماضية. فالحزب لم يعد مجرد تنظيم سياسي يشارك في الانتخابات أو يمتلك كتلة نيابية ووزارية، بل تحول إلى منظومة متكاملة تمتد إلى المدارس والمؤسسات التربوية والجمعيات الاجتماعية والخدمات الصحية والشبكات الاقتصادية والمالية، وصولاً إلى مؤسسات مثل “القرض الحسن” وغيرها من البنى التي تشكل جزءاً أساسياً من الحياة اليومية لشريحة واسعة من أبناء البيئة الشيعية.

في مثل هذه البيئة، لا تصبح المعارضة السياسية خلافاً مع حزب فحسب، بل قد تتحول إلى مواجهة مع شبكة واسعة من المصالح والعلاقات والفرص الاقتصادية والاجتماعية. وهنا ترتفع كلفة الاختلاف، ليس فقط على المستوى السياسي، بل على مستوى الحياة اليومية نفسها.

في معظم الطوائف اللبنانية، يمكن أن يكون الفرد معارضاً للحزب الأقوى داخل بيئته من دون أن يُطرد اجتماعياً. يمكن لمسيحي من بشري أن يعارض القوات اللبنانية، وأن يكتب ضدها، وأن ينشط سياسياً في مواجهتها، من دون أن يُمنع من دخول الكنيسة أو يُهدد بالعيش في بلدته.

ويمكن لسنّي أن يعارض تياراً سياسياً يمثل بيئته، أو لدرزي أن يواجه زعامة حزبية داخل طائفته، من دون أن يصبح وجوده الاجتماعي نفسه موضع تشكيك.

أما داخل البيئة الشيعية، فغالباً ما لا يُنظر إلى المعارض بوصفه خصماً سياسياً، بل بوصفه خارجاً عن الجماعة نفسها، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

فالمسألة لا تتعلق فقط بحزب سياسي يرفض النقد، بل بمشروع نجح على مدى عقود في ربط الهوية الدينية بالهوية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ففي كثير من الأحيان، لا يُنظر إلى الانتماء إلى حزب الله باعتباره خياراً سياسياً قابلاً للنقاش أو التغيير، بل باعتباره امتداداً للالتزام الديني نفسه. ومن هنا يصبح الخروج على الحزب أو الاعتراض على خياراته السياسية أشبه بالخروج على المرجعية التي يُفترض أنها تمثل الدين وتحميه وتدير شؤون الجماعة.

لهذا السبب يتكرر خطاب من نوع: “إذا كنتِ ضد حزب الله، لماذا ترتدين الحجاب؟” أو “إذا كنتَ تعارض المقاومة، فأنت لا تنتمي إلى هذه البيئة”. وكأن الحجاب أصبح ملكاً لحزب سياسي، وكأن التدين بات مشروطاً بالولاء الحزبي.

غير أن هذا الفصل بين الديني والسياسي يصبح أكثر صعوبة في بيئة تستند إلى مفهوم ولاية الفقيه، الذي لا يقوم أساساً على الفصل بين الدين والسياسة، بل يمنح المرجعية الدينية دوراً مباشراً في إدارة الشأن العام وتوجيه الخيارات السياسية للأمة. ومع الوقت، يصبح الاعتراض السياسي على الحزب، في نظر بعض المناصرين، اعتراضاً على المرجعية نفسها، لا مجرد خلاف حول برنامج سياسي أو قرار عسكري.

وبهذا المعنى، لا يعود السؤال: “هل أنت مع حزب الله أم ضده؟”، بل يصبح: “هل ما زلت تنتمي إلينا أم لا؟”. وهذه هي المشكلة الأعمق من أي اتهام بالعمالة أو الخيانة، لأنها تمس حق الفرد في أن يكون شيعياً ومؤمناً ومتديناً، من دون أن يكون تابعاً سياسياً للحزب.