لم يعد برنامج “بالطول وبالعرض” على قناة الجديد يكتفي بتقديم تقارير تلفزيونية أو معالجة ملفات اجتماعية، بل بات يتصرّف تدريجياً كجهاز رقابي موازٍ، يمنح نفسه حق ملاحقة الناس، اقتحام خصوصياتهم، والتشهير بهم تحت شعار “حماية الأخلاق العامة”.

في الحلقة الأخيرة، قدّم البرنامج تقريرًا عن صالة سينما في برج حمود تُعرض فيها، بحسب معدّي التقرير، أفلام إباحية. لكن المشكلة لم تكن في موضوع التقرير بحد ذاته، بل في الطريقة التي جرى التعاطي بها معه: ملاحقة أشخاص داخل الصالة، تصويرهم، التفاخر بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، وصولاً إلى عرض هويات موقوفين على الشاشة، وكأن البرنامج تحوّل من مؤسسة إعلامية إلى مكتب مخابرات تلفزيوني.

ما يحصل هنا يتجاوز النقاش الأخلاقي حول مضمون ما يُعرض داخل تلك الصالة. القضية الأساسية هي: من أعطى برنامجًا تلفزيونيًا حق لعب دور المخبر، والقاضي، والجلاد في الوقت نفسه؟ ومن سمح بتحويل الشاشات إلى منصات للتشهير العلني بالناس وانتهاك خصوصياتهم وحقوقهم الأساسية؟

الأخطر أن هذا النهج لا يبدو استثناءً. قبل أسبوع فقط، عرض البرنامج نفسه حلقة كُشفت فيها هوية امرأة حامل قصدت طبيبة للإجهاض، في انتهاك فجّ لخصوصية قد يعرّض حياتها وسلامتها للخطر الاجتماعي والأمني. هنا لا يعود الأمر “سبقًا صحافيًا”، بل يتحوّل إلى ممارسة خطيرة تستخدم الإعلام كأداة رقابة اجتماعية وابتزاز معنوي.

المفارقة الأكثر فجاجة تكمن في ازدواجية المعايير. فالقناة نفسها التي تنصّب نفسها اليوم حارسةً للآداب العامة، بثّت قبل أسابيع تقريرًا يلمّع صورة نوح زعيتر، أحد أكثر الأسماء إثارةً للجدل في ملف تجارة المخدرات في لبنان، والملاحق بعقوبات أميركية واتهامات جنائية متعدّدة. فجأة، لا تصبح المخدرات خطرًا على المجتمع والشباب، ولا يتحوّل تاجر مخدرات إلى تهديد للأخلاق العامة، بينما تصبح صالة سينما أو امرأة في عيادة طبية مادةً لحملات أخلاقية علنية.

هذا النوع من الإعلام لا يحمي المجتمع، بل يخلق مناخًا خطيرًا تُصبح فيه الخصوصية تفصيلًا هامشيًا، ويتحوّل الصحافي إلى عنصر رقابة اجتماعية يقرر من يستحق الفضيحة ومن يستحق الحماية. والأسوأ أن هذه الممارسات تُقدَّم على أنها “دفاع عن القيم”، بينما هي في جوهرها استسهال للتشهير والتحريض وانتهاك أبسط المعايير المهنية والإنسانية.

الإعلام ليس شرطة آداب. ودور الصحافي ليس ملاحقة الناس بالكاميرا أو تسليمهم للرأي العام كمتهمين قبل أي محاكمة. حين تفقد المؤسسات الإعلامية هذا الحد الفاصل بين الصحافة والرقابة الأخلاقية، تتحول الشاشة من مساحة إعلامية إلى منصة تخويف علني، تُدار بالاستعراض أكثر مما تُدار بالمهنية.