بيروت منزوعة السلاح… مع وقف التنفيذ
15/09/2026
A
في بيروت لا يبدو السلاح المتفلّت حادثاً استثنائياً، بل واقعاً يتكرر كلما تطور أي خلاف إلى إلى حادثة إطلاق نار. وما جرى في برج أبي حيدر ليس سوى مثال جديد على كلفة بقاء السلاح خارج إطار الدولة: رصاصة تُطلق في الشارع، وحسابات تُحسم بالقوة، ودولة تصل بعد وقوع الجريمة، حيث اندلع الاشكال على خلفية خلاف سابق، قبل أن يتطور إلى إطلاق نار قرب مركز جمعية المشاريع الإسلامية، وأسفر عن قتيلين وثلاثة جرحى. وبحسب المعلومات المتداولة، فإن مطلق النار ينتمي إلى جمعية المشاريع الإسلامية وقد تم توقيفه من قبل مخابرات الجيش.
كل أسبوع تقريباً، نسمع عن حادثة يكون السلاح حاضراً فيها، خلاف يتحول إلى إطلاق نار، مجموعة مسلحة تفرض نفسها في الشارع، أو شخص يحمل سلاحاً خارج أي صفة شرعية ويقرر أن القانون لا يعنيه.
والسؤال هنا موجّه إلى الدولة مباشرة: ماذا تنتظرين؟
أنتِ أصدرتِ قراراً بحصر السلاح بيد الدولة. وأعلنتِ بيروت مدينة منزوعة السلاح. إذاً، ما الذي ينقص حتى يبدأ التنفيذ؟
لا يمكن أن تبقى قرارات الدولة حبراً على ورق، ثم نعود بعد كل حادثة لنحصي الضحايا ونستنكر ونطالب بالتهدئة.
صحيح أن قرار تسليم السلاح يعني بالدرجة الأولى سلاح حزب الله، الذي لا يمكن مقارنته بأي مجموعة أخرى من حيث الحجم والقدرة. فهذا السلاح انتزع قرار الحرب والسلم من الدولة، وفتح جبهة مع إسرائيل، ما أدّى إلى دمار واسع في الجنوب ولبنان، وفرض على اللبنانيين أثماناً باهظة. لذلك، لا يمكن أن تبقى هذه المسألة معلّقة، بل يجب حسمها بأسرع وقت.
لكن في المقابل، وجود سلاح حزب الله لا يمنح أي حزب آخر، مهما كان صغيراً، رخصة لحمل السلاح. ولا يمكن أن تبقى المعادلة: «نسلّم عندما يسلّم الآخر». بهذه الطريقة لن يسلّم أحد أبداً، وسيبقى كل طرف يستخدم سلاح الطرف الآخر ذريعة للاحتفاظ بسلاحه.
ومن المهم هنا التمييز بين قرارين مختلفين. فقرار جعل بيروت منزوعة السلاح لا يعني سلاح حزب الله وحده، بل ينصّ في جوهره على حصر السلاح بالقوى الشرعية ومنع أي وجود مسلّح غير شرعي في العاصمة. أما القرار المتعلق بحزب الله، فهو قرار آخر ومباشر، يتناول تحديداً وضع سلاح الحزب ودوره العسكري وضرورة تسليمه للدولة. وبالتالي، فإن حصر السلاح في بيروت لا ينبغي أن يتحول إلى عنوان خاص بحزب الله فقط، بل إلى قاعدة تطبّق على كل من يحمل سلاحاً خارج الشرعية، أياً كان انتماؤه أو حجمه أو الجهة التي ينتمي إليها.
لذلك إذا كانت الدولة جادّة في حصر السلاح بيدها، فعليها أن تبدأ من حيث تستطيع، وأن تطبّق القانون على كل سلاح غير شرعي، بلا استثناءات أو حسابات سياسية، ومهما كانت الكلفة. ومن يرفض تسليم سلاحه، أياً كان انتماؤه أو موقعه، يجب أن يحاسب، فحصر السلاح لا يمكن أن يبقى خياراً طوعياً أو رهناً بموافقة حامليه
ولتبدأ من بيروت، المدينة التي أُعلنت منزوعة السلاح، لتلاحق كل من يحمل السلاح خارج الشرعية، أياً كان انتماؤه، وأياً كان الحزب الذي يقف خلفه.
فهيبة الدولة لا تُقاس بعدد القرارات التي تصدرها، بل بقدرتها على تنفيذها. وكل يوم يبقى فيه السلاح خارج الدولة هو يوم إضافي تُترك فيه حياة الناس رهينةً لمن يقرر أن يحمل السلاح ويستخدمه.
