بين خديعة العفو ورحمة الإعدام: في فلسفة العدالة المكسورة ودولة التسويات
13/08/2026
A
تصاب الأوطان أحياناً بداء التناقض التشريعي، حين تصدر المؤسسات الحاكمة قرارات تحمل في ظاهرها نبل التقدم الإنساني، لكنها تخفي في باطنها تعميقاً لأزمة العدالة وتفتيتاً لأسس الدولة. إن المحاولة الراهنة لقراءة السلوك التشريعي الأخير تنقلنا مباشرة إلى قلب الإشكالية اللبنانية التاريخية، حيث يلتقي مفهوم الدولة ككيان ناظم للحقوق والواجبات، مع مفهوم السلطة كمركز لإدارة الصفقات وتوزيع المكاسب. بين خطوة دمج الحداثة القانونية عبر إلغاء عقوبة الإعدام، وبين الانزلاق المدوّي نحو إقرار العفو العام، يقف المفهوم الأخلاقي للعدالة في مهب الريح، محاصراً بين رغبة ظاهرة في التجميل المفهومي وأصل راسخ في تكريس الإفلات من العقاب.
إن إلغاء عقوبة الإعدام، في جوهره الفلسفي والحقوقي، يمثل انتصاراً كبيراً لحق الإنسان في الحياة، وهو إقرار صريح بأن الدولة لا تملك الحق الأخلاقي في ممارسة القتل باسم المجتمع، مهما عظمت الجريمة. غير أن هذه الخطوة، على نبلها، لا يمكن أن تُقرأ كمؤشر مكتمل على الرقي القضائي ما لم تُحاط ببيئة إصلاحية شاملة تطال فلسفة العقاب برمتها. فالعقوبة البديلة ليست مجرد سلب للحرية لسنوات طويلة، بل هي عملية إعادة بناء للمجرم وتوفير مساحة للتكفير عن الذنب والدمج المستقبلي. وفي بيئة قضائية وسجنية تعاني من التهالك البنيوي والمحسوبيات، يتحول إلغاء الإعدام من خطوة إصلاحية إلى مجرد إجراء تحسيني يحمل طابعاً استعراضياً أمام المجتمع الدولي، دون أن ينعكس أثراً عميقاً على مفهوم العدالة الناجزة والمستقلة داخل أروقة المحاكم ومؤسسات الاحتجاز.
وعلى الجانب الآخر المنكوب، يأتي قانون العفو العام ليشكل طعنة نافذة في خاصرة العدالة الانتقالية وبناء دولة القانون. إن العفو العام، حين يُساق في سياق التسويات السياسية والتوازنات الطائفية، يتحول من أداة استثنائية للرحمة والمصالحة الوطنية إلى وصمة عار صريحة على جبين القضاء. إنه الإعلان الرسمي عن عجز الدولة عن تطبيق قوانينها، واعتراف ضمني بأن الجريمة تفقد طابعها الأخلاقي والقانوني بمجرد دخولها في سوق المساومات الحزبية والفئوية. إن خطورة هذا المنطق لا تكمن فقط في إفلات الجناة من الحساب، بل في الرسالة الضمنية الهدامة التي يوجهها إلى المجتمع، ومفادها أن الالتزام بالقانون هو خيار الضعفاء، بينما الخروج عليه يحظى دائماً بفرصة النجاة عبر المحاصصات القادمة.
إن المقارنة بين هذين النصين تدل على انفصام عميق في الرؤية التشريعية؛ فكيف لدولة تشهر إنسانيتها بإلغاء سلب الحياة، أن تتنكر في الوقت ذاته لحقوق الضحايا وعائلاتهم عبر التغاضي عن الجرائم وإسقاط العقوبات؟ إن العدالة ليست فكرة مجردة تُجزأ حسب أهواء اللحظة السياسية، بل هي عقد اجتماعي متكامل يضمن للمواطن الأمان والتكافؤ أمام السلطة القضائية. عندما تلغى العقوبة باسم الحقوق، ثم يُلغى الحساب باسم السياسة، تتفكك الهيبة الرمزية للقانون، ويحل محلها مفهوم العشائرية المتطورة التي تدير الجريمة بدلاً من أن تكافحها، وتوزع الغفران بدلاً من أن تقيم العدل.
يرتبط هذا المشهد ارتباطاً وثيقاً بمفهوم السلام المجتمعي؛ إذ لا يمكن لأي مجتمع أن يبلغ سلاماً مستداماً على أرضية متداعية من الظلم وشعور الضحايا بالغبن. إن السلام الحقيقي ليس مجرد غياب للصراع المباشر أو مهادنة بين القوى السياسية، بل هو السكينة التي تسود حين يشعر الجميع بأن القانون فوق الجميع، وأن المؤسسات القضائية تتسع لحماية البريء ومحاسبة المرتكب بغض النظر عن انتمائه. إن تجارب الشعوب التي خاضت أزمات عميقة أثبتت أن استبدال المحاسبة بالعفو العشوائي لا يداوي الجراح، بل يدفنها حية تحت السطح، لتنفجر مجدداً عند أول اختبار سياسي أو أمني.
تتطلب عملية الإصلاح القانوني والجنائي الحقيقية مغادرة مربع الحلول الجزئية والصفقات الترقيعية. إن التأسيس لدولة القانون يبدأ من كف يد السياسة عن القضاء، وتأمين استقلالية السلطة القضائية بشكل مطلق، وتحديث التشريعات الجزائية لتواكب متطلبات العصر في حماية الحقوق وإعادة التأهيل. يبدأ السلام المستدام عندما تُبنى المؤسسات على قاعدة المسؤولية الفردية والمحاسبة، لا على قاعدة التضامن الفئوي للهروب من العقاب. وحتى يتحقق ذلك، سيبقى التشريع في لبنان يتأرجح بين خطوة حذرة إلى الأمام نحو الإنسانية، وقفزات واسعة إلى الخلف نحو تكريس الفوضى وتأجيل استحقاق بناء الدولة الحقيقية.
