أطلق الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مواقف لافتة في حدّتها تجاه لبنان، خلال مقابلة مع قناة «الجزيرة»، كاشفاً أنه أثار الملف اللبناني شخصياً مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وقال إردوغان: «إسرائيل هي المعتدية على لبنان، وعلينا إنقاذه من الهجمات. الدعم الأميركي مهم لإخراجه من دائرة النار».

ووصف استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان بأنه مصدر «قلق كبير» لأنقرة، مشيراً إلى أنه بحث مع ترامب «ضرورة وقف الحرب على لبنان».

ولم يفصل إردوغان لبنان عن غزة، حيث تؤدي تركيا دوراً دبلوماسياً متزايداً. وقال إن «تركيا لا تستطيع أن تترك غزة وحدها»، مضيفاً أن «حماس تفي بالتزاماتها بصدق، فيما تواصل إسرائيل الحرب».

لكن كلام إردوغان قد يعكس ما هو أبعد من مجرد تضامن تركي مع لبنان وغزة.

تركيا توسّع حدودها الاستراتيجية

تقدّم أنقرة نفسها بشكل متزايد ليس كطرف يراقب الصراعات المحيطة بإسرائيل، بل كقوة إقليمية ترى أن من حقها المشاركة في رسم نتائجها السياسية والأمنية.

فتركيا منخرطة بقوة في ملف غزة، وتسعى إلى دور أكبر في سوريا، واقترحت المشاركة في الترتيبات الأمنية التي قد تخلف «اليونيفيل» في لبنان، فيما وسّعت تنسيقها الدفاعي مع قوى إقليمية رئيسية.

وفي هذا السياق، فإن قرار إردوغان مناقشة الملف اللبناني مباشرة مع واشنطن، بالتوازي مع انتقاده العلني للسياسات الإسرائيلية في لبنان وغزة، قد يشير إلى محاولة تركية لتوسيع نفوذها الاستراتيجي في المشرق.

لطالما فُهم التنافس في الشرق الأوسط من خلال ثنائية إيران وإسرائيل، مع حضور لدول الخليج، فيما لعبت تركيا دوراً أقل انتظاماً.

لكن المشهد الناشئ أكثر تعقيداً.

فأنقرة تسعى بصورة متزايدة إلى توسيع دورها السياسي والأمني في سوريا ولبنان وفلسطين، بالتوازي مع تعميق علاقاتها مع القوى الخليجية، وتقديم نفسها كقوة موازنة لإسرائيل التي تزداد جرأة في فرض رؤيتها للأمن الإقليمي.

وفي 30 تموز، وإلى جانب رئيس الجمهورية جوزاف عون، أعلن إردوغان أن تركيا تريد المشاركة في أي آلية أمنية ستخلف «اليونيفيل»، وتعهد بمواصلة دعم الجيش اللبناني، مجدداً تأكيد أنقرة دعم سيادة لبنان.

وإذا تحققت هذه الطموحات، فستنتقل تركيا من مجرد التعليق السياسي على الملف اللبناني إلى محاولة لعب دور أمني مؤسساتي داخله.

كما بدأ إردوغان يربط الأمن اللبناني صراحةً بالأمن القومي التركي. ففي حزيران، قال إن الهجمات الإسرائيلية على لبنان وسوريا وصلت إلى مرحلة تهدد تركيا نفسها، مؤكداً أمام النواب الأتراك أن أمن بلاده مرتبط بأمن البلدين.

وهذه اللغة تضع أجزاء من المشرق، بصورة متزايدة، ضمن التصور التركي لما تعتبره مجالها الاستراتيجي.

تركيا وإسرائيل تتنافسان على شكل النظام الإقليمي

تبدو تركيا وإسرائيل بشكل متزايد وكأنهما تنظران إلى الحزام الجغرافي نفسه — سوريا ولبنان وغزة وشرق المتوسط، وإلى حد ما البحر الأحمر — من منظورين استراتيجيين متعارضين.

ويتحول التنافس التركي-الإسرائيلي إلى سمة بنيوية في عدد من الملفات الإقليمية الكبرى، فيما تمثل سوريا حالياً الساحة الأوضح لهذا الصراع.

ويبدو أن الرؤية التركية الناشئة تقوم على فكرة أساسية:

لا يمكن السماح لإسرائيل بالخروج من حروب المنطقة باعتبارها القوة العسكرية الوحيدة القادرة على تحديد شكل المنظومة الأمنية للدول العربية المجاورة.

وهذا يساعد في تفسير تصاعد لهجة إردوغان تجاه لبنان.

فإذا كانت إسرائيل تقول، عملياً، إن لها حق تحديد الشروط التي ستنسحب بموجبها من الأراضي اللبنانية، فإن الموقف التركي المقابل يبدو أكثر وضوحاً: لا يمكن لإسرائيل وحدها أن تحدد شكل الأمن في لبنان، وتركيا تريد أن يكون لها رأي في ذلك.

وينسجم هذا التوجه مع مسعى تركي أوسع لما يصفه مسؤولون أتراك بـ«الملكية الإقليمية»؛ أي أن تتولى القوى الإقليمية مسؤولية أكبر عن منظومتها الأمنية، بدلاً من ترك واشنطن — أو إسرائيل — تحدد وحدها شكل النظام الإقليمي.

وفي الوقت نفسه، تعمل تركيا على تعميق علاقاتها الأمنية مع السعودية وباكستان، وتبحث في توسيع التنسيق الإقليمي ليشمل لاحقاً قوى عربية رئيسية أخرى.

ومن هنا، يصبح لبنان جزءاً من منافسة أكبر بكثير.

فهو ليس مجرد دولة أخرى يدافع عنها إردوغان في خطاباته. بل يقع على امتداد قوس استراتيجي تحاول أنقرة، بشكل متزايد، أن تثبت نفسها فيه كإحدى القوى القادرة على التأثير في شكل المنطقة بعد سنوات من الحروب.

غزة قطعت شوطاً أبعد… أما لبنان، فما زالت تركيا تحاول دخول الغرفة

مع ذلك، هناك فارق مهم بين موقع تركيا في غزة وموقعها في لبنان.

في غزة، تمتلك تركيا بالفعل أوراق نفوذ مؤثرة. فهي ترتبط بعلاقات طويلة الأمد مع حماس، وشاركت مباشرة إلى جانب قطر ومصر والولايات المتحدة في المفاوضات الدبلوماسية، وأصبحت جزءاً من الحراك السياسي المحيط بمحاولات التوصل إلى ترتيبات لمرحلة ما بعد الحرب.

أما في لبنان، فلا تزال تركيا تحاول دخول الغرفة.

فأنقرة لا تمتلك حالياً ما يعادل النفوذ التاريخي لإيران عبر حزب الله، أو الشبكات السياسية التي راكمتها السعودية على مدى عقود، أو العلاقة المؤسساتية التي تربط فرنسا بلبنان، أو النفوذ الأميركي على الجيش اللبناني وعلى المفاوضات مع إسرائيل.

ولهذا تحديداً، فإن الدور التركي المقترح في أي آلية أمنية تحل مكان «اليونيفيل» سيكون ذا أهمية كبيرة. فهو قد يمنح أنقرة موطئ قدم مؤسساتياً جديداً داخل المنظومة الأمنية اللبنانية، وهو موقع لم تكن تمتلكه تقليدياً.

إردوغان، إذاً، لا يتحدث باسم لبنان بعد. لكنه يتصرف بشكل متزايد كما لو أن تركيا يجب أن تكون إحدى القوى الإقليمية التي يحق لها أن يكون لها رأي في ما سيأتي بعد ذلك في لبنان.

بالنسبة إلى بيروت، قد تكون المخاوف من «هيمنة تركية» وشيكة مبالغاً فيها — على الأقل في الوقت الراهن.

لكن أنقرة تسعى إلى توسيع دائرة نفوذها لتشمل لبنان؟

بالتأكيد.