“تتكوّن الأزمة تحديداً من أنّ القديم يحتضر، والجديد لا يستطيع أن يولد؛ وفي هذا الفراغ تظهر أعراض مرضية متنوّعة”. هكذا وصف أنطونيو غرامشي مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، محاولاً تحليل الهيمنة الاجتماعية والسياسية في أوروبا آنذاك.

يبدو أن التاريخ يعيد إنتاج نفسه على امتداد الجغرافيا؛ فمع كل قديم يحتضر، وكل جديد يعجز عن الولادة أو التبلور، تظهر الأعراض نفسها. وهذا ما يعانيه لبنان في سعيه إلى تكوين هوية قادرة على الصمود في وجه تداعيات المشاريع الإقليمية التي أعقبت انهيار الإمبراطورية العثمانية وصعود القوميات العربية والإسلامية. واليوم، في منطقتنا، تسقط معادلات سادت على مدى عقود، وفي انتظار الشكل الجديد للمنطقة، نعيش حروب الوحوش.

إيران والحرب وأزمة النظام: حين تفقد الأنظمة شعوبها

اندلعت الحرب من جديد، وهذه المرة في إيران، التي تتلقى الضربات الإسرائيلية والأميركية، وفي الوقت نفسه تضرب قواعد عسكرية في دول الخليج والجوار، إضافةً إلى بعض المصالح المدنية والاقتصادية وإسرائيل. وفي الضربات الأولى على إيران، قُتل المرشد علي خامنئي، والمفارقة أن جزءاً لا بأس به من الشعب الإيراني احتفل بمقتله وبالضربات التي يتلقاها نظامه وكوادره.

في التحليل، تأتي هذه الاحتفالات والرهانات نتيجة بنى اجتماعية تشكّلت على مدى عقود من القمع والظلم والعسكرة التي مارسها نظام الجمهورية الإسلامية ضد الشعب الإيراني. فعندما تقمع شعبك وتظلمه، وعندما تسود الظلامية والبطش شعباً يمتلك تاريخاً وحضارة عريقة، وعندما تُحجب عنه الشمس، وينهار الاقتصاد ويفتقر الشعب، فإن شعبك قد لا يقف إلى جانبك في حروبك الكبرى، بل قد يراهن على أعدائك لإسقاط نظام ينتج القمع والاستبداد، ويصدّر العسكرة والثورات المضادة، ويدعم الطغاة في مواجهة حرية الشعوب.

في الوقت نفسه، أعلن الأميركيون، وتحديداً الرئيس دونالد ترامب، أكثر من مرة أن الظروف الحالية للحرب على إيران قد تشكل فرصة للشعب الإيراني من أجل إسقاط النظام. لكن المهمة الرئيسية للأميركيين ليست تحرير الشعب الإيراني من سطوة الجمهورية الإسلامية، بل تهيئة الظروف التي قد تؤدي إلى ذلك.

أما المهمة الأساسية فتتمثل في إزالة التهديد والعوائق التي يشكلها هذا النظام للمصالح الأميركية في المنطقة، سواء على مستوى الأمن الإقليمي أو مشاريع السلام. كما أن الهدف، من ناحية أخرى، هو إعادة هيكلة القيادة السياسية في إيران لتكون أقرب إلى مصالح الولايات المتحدة الأميركية، كجزء من محاولة أوسع لتطويق الصين اقتصادياً.

لبنان رهينة الحرب: حزب الله والدولة الضعيفة

أما في لبنان، فقد جاءت الأوامر الإيرانية بأن يدخل حزب الله في حرب الكبار، على الرغم من ضعفه الواضح واختلال ميزان القوى، وعلى الرغم من غياب الإرادة الشعبية، بما فيها إرادة شريحة واسعة من الجنوبيين، لخوض هذه المعركة.

وجد الجنوبيون أنفسهم أمام تغريبة جديدة، ووجدوا أنفسهم في عين العاصفة. ومن دفعهم إلى هذه الكارثة لم يُبالِ بهم، ولم يكن يعنيه مصير الجنوبيين بقدر ما تعنيه الجمهورية الإسلامية في إيران ومرشدها، وبقدر ما تعنيه العقيدة.

وهنا تكمن أزمة الأنظمة والميليشيات العقائدية في زمن لم تعد تنتمي إليه؛ فهذه الميليشيات مستعدة لأن تضحي بكل شيء من أجل العقيدة و”القضية العظمى” التي تؤمن بها. وهذا ما فعله حزب الله، وربما أفضل رد على هذا الفعل هو ما قاله يوماً داوود داوود: “فلتحترق طهران وليبقَ الجنوب”.

وعلى مستوى آخر، مع إطلاق حزب الله لهذه الصواريخ الست وافتتاح معركة جديدة مع إسرائيل، انقلب الحزب على مسار بناء الدولة الذي عملت عليه الحكومة خلال الأشهر الماضية. لقد خُطف الجنوب ولبنان، وسقط مشروع الدولة.

وسقوط محاولة قيام الدولة لم يكن مجرد نتيجة لانحراف حزب الله عن مسار تسليم سلاحه ووقف نشاطاته العسكرية، بل كان الهدف بحد ذاته. فقد وجد الحزب الفرصة في إطلاق هذه الصواريخ وفتح معركة أوسع مع إسرائيل، من جهة لإسقاط مبادرة الدولة، ومن جهة أخرى أملاً في أن تشمل التسوية بين إيران والولايات المتحدة مصالحه في حال حصلت، بهدف تحسين ظروفه في الداخل اللبناني، غير آبه بما تنتجه هذه الحرب من خسائر فادحة وتهديدات للسلم الأهلي اللبناني.

إضافة إلى ذلك، تكمن أيضاً المصلحة الإيرانية المباشرة في إضعاف الدولة اللبنانية؛ فالنفوذ الإيراني يستمر في الدول الضعيفة، وتحديداً في مناطق الحروب النشطة. وقيام دولة لبنانية قوية سيمنع الجمهورية الإسلامية في إيران من استعادة قدرتها على الحفاظ على مصالحها ومكتسباتها السياسية والإقليمية في لبنان بالشكل الذي كانت عليه سابقاً.

وانطلاقاً من هذا التحليل، ومن طبيعة العلاقة بين حزب الله والجمهورية الإسلامية في إيران والحرس الثوري الإيراني، قد تكون الدولة اللبنانية، ممثلة برئاسة الجمهورية والحكومة، قد أهدرت أكثر من عام في محاولة التفاوض مع حزب الله، لنعود في النهاية إلى حقيقة واضحة: لبنان لا يستطيع استعادة السيطرة على ميليشيا تضرب بعرض الحائط إرادة الشعب اللبناني، ومقومات الدولة والمجتمع، والتهديدات التي تحيط به، من أجل خدمة مصالح دولة أخرى.

والحقيقة أن حزب الله لا يمتلك الصلاحية لاتخاذ القرارات الأمنية الكبرى، بل إن الحرس الثوري الإيراني هو من يتولى ذلك مباشرةً. والحقيقة الأخرى أن الدولة والمجتمع رهينة ميليشيا عقائدية مرتهنة، سندفع ثمن ارتهانها سنوات طويلة قادمة.

مسؤولية الجيل الجديد: استخلاص الدروس والمبادرة

لأجيال مضت، ولجيل أهلنا الذين أنتجوا هذه الدولة وهذه الميليشيا، ودفعوا أعمارهم ثمناً لحروب ونزوح وأزمات، كما دفعوا أعمار أبنائهم، أعمارنا نحن، ثمناً للهجرة والنزوح والحروب، يبقى واجب جيلنا أن يستخلص دروس الماضي، وألا يكرر التاريخ.

علينا أولاً أن نعترف بالهزيمة، وأن ندرك أن الكيان الموجود على حدودنا فرض معادلاته على المنطقة، وأن حزب الله، المرتهن للجمهورية الإسلامية، لم يحمِ لبنان، بل عندما هُزم قرر أن يسقط الجميع معه.

على جيلنا أن يكون واقعياً، وأن يراجع أخطاء الماضي، وألا ييأس، وألا يقبل بأن تُفرض عليه مصائره ومستقبله وفق معادلات “حروب الوحوش”. عليه أن يبادر إلى بناء خطاب سياسي باتجاه جمهورية لا تخشى ميليشيا مرتهنة للخارج، وأن يتحمل مسؤوليته أمام الأجيال القادمة.

جيل يدرك أن الصراع بين أنظمة الإبادة والعقائد الطائفية لا يأتي بتحرر وطني، بل ينتج بنى اجتماعية قائمة على نزوح مئات آلاف اللبنانيين من قراهم ومدنهم، وتدمير بيروت والبقاع والجنوب، وربما احتلال أجزاء منه.

جيل يبادر، ويحاسب، ويتحمل مسؤوليته أمام الأجيال القادمة، من أجل أن نسترجع غداً ما خسرناه ونخسره اليوم.