

عن الخارجيّة المطبّعة والسياسة المفقودة
06/07/2023
A
إنْ كانت الناسُ سطورًا كُتِبت بماء، فسطور التاريخ بقيَ عصيّة على التبخر. هذه هي أصلاً أعظم سماته: انه لا ينسى، انه لا يُمَّحى. ما من سياسيٍّ مرَّ في دنيانا إلا ودوَّن التاريخ مواقفه، أبيضاء كانت أم سوداء. فسطع من سطع، ورُجِم من رُجِم… وكلّ ذلك بفضل التاريخ!
يذهلني إصرار الساسة اللبنانيين على دفع التاريخ إلى شتمهم. إصرارٌ مجبولٌ إمَّا بجهلٍ مطلق – إن أراد المرءُ التسليم بحسن نواياهم – أو بانعدام الشرف والنخوة الوطنيين، وهي الآفة الطاغية في لبنان.
منذ بضعة أيَّام، امتنع لبنان عن التصويت على مشروع قرارٍ لإنشاء مؤسَّسةٍ مستقلّة معنيَّة بالمفقودين في سوريا، تهدف إلى جلاء مصير جميع المفقودين وتقديم الدعم للضحايا وأسَرِهِم. وإذ تشير تقديرات الأمم المتَّحدة والمنظَّمات غير الحكوميَّة إلى أَنَّ عدد المفقودين قد تجاوز المائة ألف منذ العام 2011، فالحقيقة أنَّ الكثيرين قد فَقِدوا قبل هذا التاريخ، كاللبنانيين المخفيين قسرًا في سوريا.
فلنضع جانبًا الضربة الموجعة التي يوجّهها هكذا موقف لتاريخ لبنان الدبلوماسي في مجال حقوق الإنسان، كيف يمكن “لدولةِ” أن تعارض، عن سابق تصوُّرٍ وتصميم، قرارًا قد يحرّك على نحوٍ فقَال ملفّ “أبنائها” المفقودين منذ عقود؟ قد تكون المشكلة فعلًا في صياغتنًا للسؤال…
فهذه الدولة قد طأطأت رأسها خانعةً للتطبيع مع نظامٍ مجرمٍ بحقِّ شعبها أوَّلا، بعد احتلال غاشمٍ دام لعقود، استبيحت خلاله الأرض والحدود، وحتّى هذه الساعة ما من ترسيمٍ واضحٍ للحدود البحريَّة والبريَّة مع سوريا.
وعلى الرغم من حالات التعذيب الوحشي، والخطف، والقتل، والسجن الموثقة، لم تكلَف الدولة نفسها عناء إقامة حوارٍ جدِّي يفضي إلى اعتذارٍ من الشعب اللبناني بأكمله على ما ارتكبته أيدي الاحتلال السوري، قبل البحث عودة المياه إلى مجاريها.
زياراتٌ “رايحة جاية على الشام” وما من سياسيّ واحدٍ قد تجرَّأ على النظر في عينَيْ الأسد وسؤاله عن شبابنا، خيرة شبابنا. ابتساماتٌ أمام الكاميرات، وشبابنا يقبعون إمَّا في سجونٍ مظلمة أو تحت التراب. مصافحات أمام الإعلام، ولا خبر يشفي غليل أمَّهاتٍ لبسن الأسود مدى الحياة.
لقد أجرى حزب اللّٰه في السابق مفاوضاتٍ مع اسرائيل لاسترجاع الأسرى اللبنانيين. سبحان اللّه كيف يسود صمت القبور عند زيارة دمشق…
ويلكم من دعوات الأمَّهات! فهي لن ترحمكم… وإن رحمتكم، ويلكم من سطور التاريخ!
