لم يكد يمر أسبوع على إصدار الحكومة مرسوماً يفرض رسوماً بيئية على عشرات السلع لتمويل إدارة ومعالجة النفايات، حتى سارعت إلى تعليق العمل به تحت وطأة الاعتراضات الشعبية والاقتصادية. وقد اعتبر البعض هذا التراجع انتصاراً للرأي العام، إلا أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في قرار التعليق، بل في الفلسفة التي أنتجت المرسوم أساساً.

فكلما واجهت الدولة عجزاً في التمويل، أو احتاجت إلى مورد جديد، بدا أن الحل الأسهل والأسرع هو فرض رسم إضافي على المواطنين، من دون أن تسبق ذلك مراجعة جدية لأولويات الإنفاق، أو إصلاح لمصادر الهدر، أو معالجة لأسباب الأزمة نفسها.

إن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: لماذا تراجعت الحكومة؟ بل: لماذا اعتقدت أصلاً أن الوقت مناسب لفرض أعباء جديدة على مجتمع لم يتعافَ بعد من واحدة من أعمق الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث؟

“الملوِّث يدفع”… ولكن أين الدولة؟

يستند المرسوم إلى مبدأ بيئي معروف عالمياً هو “الملوِّث يدفع”، والذي يقوم على تحميل الجهة التي تتسبب بالتلوث كلفة معالجة الأثر البيئي الذي تنتجه. وهو مبدأ تبنته العديد من الدول باعتباره وسيلة لتحقيق العدالة البيئية، وتشجيع الإنتاج والاستهلاك الأكثر استدامة.

لكن نجاح هذا المبدأ لا يعتمد على وجوده في النصوص القانونية، بل على البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي يُطبَّق فيها.

فالرسوم البيئية لم تمر بسهولة حتى في عدد من الدول الأوروبية التي تمتلك شبكات نقل عام متطورة، وأنظمة دعم اجتماعي واسعة، وسياسات تعويض للفئات الأكثر تضرراً. وقد شهدت بعض هذه الدول احتجاجات واسعة اعتراضاً على تحميل المواطنين كلفة الانتقال البيئي، رغم وجود بدائل حقيقية تخفف من أثر تلك السياسات.

أما في لبنان، فإن الصورة معاكسة تماماً. فلا نقل عام يمكن الاعتماد عليه، ولا حماية اجتماعية تخفف من ارتفاع الأسعار، ولا خدمات عامة تسمح للمواطن بتغيير أنماط استهلاكه. ولذلك، فإن أي رسم بيئي يتحول عملياً إلى ضريبة إضافية على الحياة اليومية، لا إلى أداة لتغيير السلوك البيئي أو تحفيز الاقتصاد الأخضر.

عندما تتحول البيئة إلى سياسة انكماشية

السياسات البيئية لا تُبنى بمعزل عن الاقتصاد، ولا يمكن التعامل معها كأنها مجرد وسيلة لزيادة الإيرادات.

فلبنان لا يزال يرزح تحت آثار الانهيار المالي، ويحاول التعافي من حرب خلّفت خسائر واسعة في البنى التحتية والمؤسسات والأرزاق، فيما تستمر حالة عدم اليقين الأمني والسياسي في إضعاف الاستثمار وثقة الأسواق.

وفي خضم هذه الظروف، تتجه الحكومة إلى اعتماد مقاربة مالية يغلب عليها الطابع التقشفي، تقوم على زيادة الرسوم والضرائب أكثر مما تقوم على تحفيز الإنتاج والاستثمار.

ومن منظور الاقتصاد الكلي، فإن فرض رسوم جديدة على السلع والاستهلاك في اقتصاد لا يزال يعاني من الركود ويكافح لاستعادة عافيته، يندرج ضمن ما يُعرف بالسياسات المالية الانكماشية. فهذه السياسات تسحب جزءاً من القدرة الشرائية للأسر، وترفع كلفة الإنتاج على المؤسسات، ما يؤدي إلى تراجع الاستهلاك والاستثمار، وهما المحركان الأساسيان للنمو الاقتصادي. وقد تكون هذه الأدوات مبررة عندما يكون الاقتصاد في حالة توسع أو يواجه معدلات تضخم مرتفعة، لكنها تصبح موضع تساؤل عندما تُطبق في اقتصاد يعاني أصلاً من ضعف الطلب، وتراجع الثقة، وغياب الاستثمارات.

وهذا هو الواقع اللبناني اليوم. فكل زيادة في كلفة السلع والإنتاج لا تقتصر آثارها على ارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى إضعاف الطلب الداخلي، وتقليص هوامش المؤسسات، وتأجيل الاستثمارات الجديدة، وهو ما ينعكس مباشرة على النمو الاقتصادي وفرص العمل.

فالاقتصاد لا ينمو في ظل ارتفاع مستمر في الأكلاف. فعندما ترتفع كلفة الإنتاج على المؤسسات، وترتفع كلفة الاستهلاك على الأسر، تتراجع القدرة الشرائية، وينخفض الطلب، وتتردد الشركات في التوسع والاستثمار. والنتيجة ليست زيادة في فرص العمل، بل مزيد من الانكماش الاقتصادي.

إن خلق الوظائف يحتاج إلى اقتصاد ينمو، والاقتصاد لا ينمو عندما تصبح الرسوم هي الأداة الأساسية للسياسة المالية.

الإصلاح يبدأ من الهدر… لا من جيب المواطن

كان يمكن للحكومة أن تبدأ من حيث يبدأ الإصلاح الحقيقي، لا من حيث يبدأ الجباية.

كان يمكن إقفال المكبات العشوائية التي ما تزال تشكل واحدة من أخطر مصادر التلوث.

وكان يمكن فرض الفرز من المصدر، والاستثمار في معامل الفرز والتدوير، وتشديد الرقابة على المصانع والجهات الأكثر تلويثاً، وإصلاح عقود إدارة النفايات التي استنزفت المال العام لعقود، ومكافحة التهرب الجمركي والضريبي الذي يحرم الخزينة من إيرادات تفوق بكثير ما يمكن أن تؤمنه هذه الرسوم.

فالإصلاح البيئي لا يبدأ بتحصيل الأموال، بل بإصلاح الإدارة التي تنفقها.

اللامركزية ليست خياراً… بل الحل

ربما تكمن المشكلة الأكبر في استمرار الإيمان بأن إدارة النفايات يجب أن تبقى مركزية.

لقد عرف لبنان، قبل الحرب الأهلية، نموذجاً مختلفاً كانت فيه البلديات واتحادات البلديات تؤدي الدور الأساسي في جمع النفايات وإدارتها، بما يراعي خصوصية كل منطقة ويعزز المساءلة المحلية.

أما النموذج المركزي الذي اعتمد خلال العقود الماضية، فقد أنتج أزمات متكررة، وكلفاً مرتفعة، واعتماداً دائماً على حلول مؤقتة.

لقد حان الوقت لإعادة هذا الملف إلى البلديات واتحاداتها، مع تزويدها بالصلاحيات والموارد اللازمة، وتشجيع حلول لامركزية للفرز والمعالجة والتدوير، والعودة إلى نموذج أثبت فعاليته قبل الحرب الأهلية اللبنانية. فإدارة النفايات ليست مجرد خدمة تقنية، بل مسؤولية محلية ترتبط بطبيعة كل منطقة وحاجاتها وإمكاناتها.

أما الاستمرار في البحث عن حلول مركزية تمولها رسوم وطنية جديدة، فهو لا يعالج أصل المشكلة، بل يكرس نموذجاً أثبت فشله، ويضيف عبئاً جديداً على الاقتصاد وعلى المواطنين.

الرسوم قد تعلّق… فهل تتراجع الأسعار؟

يبقى سؤال لا يقل أهمية عن الرسوم نفسها.

فور صدور المرسوم، بدأت الأسواق تتحدث عن ارتفاع أسعار عدد كبير من السلع. وبعد تعليق العمل به، هل ستتراجع هذه الأسعار؟

من سيراقب الأسواق؟ ومن سيضمن ألا تتحول الرسوم المؤقتة إلى زيادات دائمة في الأسعار؟

ففي اقتصاد يعاني ضعف الرقابة وغياب المنافسة الكافية، يتحول كل قرار ضريبي إلى فرصة لزيادة الأرباح على حساب المستهلك، فيما تبقى الدولة غائبة عن حماية المواطنين.

لا عدالة بيئية من دون عدالة اقتصادية

لا أحد يختلف على أن حماية البيئة ضرورة وطنية، وأن أزمة النفايات تتطلب حلولاً جذرية وتمويلاً مستداماً.

لكن العدالة البيئية لا تعني نقل كلفة التلوث إلى المواطن وحده، ولا يجوز أن تتحول البيئة إلى عنوان جديد للجباية في بلد يفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الدولة الاجتماعية.