وليمة على أنقاض المحور
25/08/2026
A
ثلاث ساعات كاملة احتاجها «بودكاست المحطة» ليشرح أن «محور المقاومة» لم يُهزم، وأن سقوط نظام الأسد لا يدل على فشل مشروعه، وأن خراب لبنان يمكن إدراجه في خانة الصمود، وأن كل ما يناقض هذه الخلاصة ليس واقعاً، بل «سردية إسرائيلية» أو «تأثراً بإعلام الخليج».
كان المشهد أبلغ من الكلام. جلس رضوان مرتضى وحسن أحمديان وعلي هاشم وجاد غصن وآدم شمس الدين وفراس حاطوم وقاسم قاسم حول مائدة عامرة، يتذوقون الكبة النيئة ويتجادلون في الغورمه سبزي وأم علي، بينما يناقشون مدناً أُحرقت وقرى مُسحت وشعوباً هُجّرت ودولاً حُوّلت إلى ساحات.
الطعام حقيقي، أما الناس فأرقام. اللحم على الطاولة له نكهة وتاريخ، أما لحم اللبنانيين والسوريين والعراقيين والإيرانيين فـ«كلفة بشرية» في حسابات الردع.
ليس في الطعام أو المزاح أثناء نقاش سياسي خطيئة. المشكلة أن المائدة كشفت، من دون قصد، ترتيب القيم في وعي أصحابها، إيران مشروع، وحزب الله وظيفة، وإسرائيل عدو، وأميركا مؤامرة؛ أما البشر بين هذه الكلمات الكبيرة فمواد قابلة للاستهلاك. يمكن أن يُقتلوا أو يُهجّروا ثم يُطلب منهم الصبر، لأن الطبق الإيراني، كما شرح الضيف، يحتاج إلى وقت طويل كي تخرج مكوناته نكهتها. وربما كانت تلك أدق استعارة في الحلقة، فالمحور طُبخ طويلاً، لكن نكهته لم تكن نصراً، بل دخان مدن عربية.
قُدمت الحلقة كنقاش في التحولات الإقليمية، لكنها بدت أقرب إلى جلسة علاج جماعي لأشخاص انهار العالم الذي وصفوه طويلاً بأنه عصي على الانهيار. المشكلة ليست تأييدهم لإيران أو حزب الله؛ فهذا موقف سياسي مشروع. المشكلة أنهم يقدمون الولاء في ثياب «التحليل»، كأن تغيير المفردات يحول العقيدة إلى معلومة والأمنيات إلى موازين قوى.
التحليل يبدأ من الوقائع ويسأل إلى أين تقود. أما خطاب المحور فيبدأ من خاتمة مقدسة، إيران لا تُهزم والمقاومة لا تخطئ. إذا تقدمت إيران فهذا نصر، وإذا تراجعت فهو صبر استراتيجي. إذا ردت فرضت معادلة، وإذا لم ترد اختارت الزمان والمكان. إذا بقي حليفها حياً فقد انتصر، وإذا سقط فبسبب حصار خارجي. وإذا دُمرت البلاد وبقي التنظيم، يصبح بقاؤه «صورة نصر». بهذا القاموس لا يُهزم المحور، لا لقوته، بل لأنه ألغى كلمة الهزيمة.
خصص النقاش وقتاً لـ«الصبر الاستراتيجي» الإيراني. شُبه بطبخ الطعام ونسج السجاد، لكن السؤال بقي بلا جواب، على حساب من جرى هذا الصبر؟
قال أحد المشاركين بوضوح إن إيران أبعدت المواجهة عن أرضها، لكن لم يكن هناك صبر في سوريا أو اليمن أو لبنان. وهذه ليست ملاحظة جانبية، بل تعريف للمشروع. لم يكن «المحور» تحالف دول متساوية تتشارك المخاطر، بل نظاماً لتوزيعها، إيران تبني نفوذها، وحلفاؤها العرب يقدمون الجغرافيا والسكان والاقتصاد والدم.
حين تُضرب بيروت يُقال للبنانيين إنهم جزء من «وحدة الساحات». وحين تُضرب طهران يصبح الحفاظ على الدولة الإيرانية ومقدراتها أمراً عقلانياً. اللبناني الذي يرفض إحراق بلده من أجل غزة يُتهم بالخيانة، أما إيران التي لا تريد إحراق بلدها من أجل لبنان فتُمنح محاضرة في السيادة والحسابات الاستراتيجية. هذه ليست وحدة ساحات، بل وحدة فاتورة.
ومن أهم اعترافات الحلقة أن بقاء حزب الله عسكرياً يشكل «جزءاً من صورة انتصار إيران». ليس انتصار لبنان، ولا عودة أهالي الجنوب، ولا حماية البيوت، بل صورة انتصار إيران.
هنا يسقط القناع. لبنان ليس وطناً له مصالح وحياة عامة، بل خلفية للصورة الإيرانية. إذا بقي المسلح واقفاً بين الركام أُعلن النصر، ولو كان أصحاب المنازل في الخيام أو الهجرة. لا يهم انهيار الردع وضرب القيادة وتدمير القرى واتساع الاحتلال؛ المهم بقاء السلاح.
لكن التنظيمات لا تُقاس ببقائها البيولوجي، بل بتحقيق أهدافها وحماية البيئة التي تزعم تمثيلها. فإذا كانت نتيجة «المقاومة» مزيداً من الاحتلال، ونتيجة «الردع» مزيداً من القصف، ونتيجة «وحدة الساحات» ترك لبنان وحيداً، فأي انتصار هذا؟ إنه الانتصار الوحيد الذي كلما كبرت خسائره احتاج إلى خبير إضافي لشرحه.
وبلغت الحلقة قاعها الأخلاقي عند الحديث عن سوريا. اعترض أحدهم على القول إن حزب الله قتل مليون سوري، لأن العدد «لا يتجاوز» ست مئة ألف. هكذا يُناقش بلد دُمر، كمحاسب يدقق في الفاتورة لا في طبيعة الجريمة، وكأن المأساة تصبح أخف إذا كان العدد ست مئة ألف لا مليوناً.
طُرح السؤال الصحيح للحظة، لماذا كنتم في سوريا؟ ثم ضاع في التبرير. قيل إن التدخل منح حزب الله عشر سنوات إضافية لنقل السلاح. وهذه ليست حجة دفاع، بل لائحة اتهام، سوريا وشعبها وحدودها تحولت إلى ممر لوجستي لمشروع لبناني–إيراني.
وعندما وصل النقاش إلى لبنان، وُضعت كلمة الدولة بين مزدوجين. فالدولة عند خطاب المحور تُستدعى حين يحتاج الحزب إلى مؤسسات وغطاء شرعي، ويُسخر منها حين تطالب بحقها في قرار الحرب والسلم. الحزب داخل الدولة عند توزيع الحصص، وخارجها عند توزيع المسؤوليات؛ يريد أن يكون السلطة والمقاومة، الحكومة والمعارضة، صاحب القرار وضحيته.
في ختام الحلقة قال أحدهم، «أتكلم كإنسان». فجاء الرد، يجب أن تتكلم بمنطق حزب الله. هنا تختصر المشكلة. المنطق الإنساني يسأل، كم بيتاً بقي؟ كم عائلة عادت؟ هل أصبح الطفل أكثر أمناً؟ أما منطق التنظيم فيسأل، هل بقي السلاح؟ وهل بقيت لإيران ورقة تفاوض؟
انتهت الحلقة بحكاية «أم علي»، ثم نهض الضيوف للتدخين. نهاية مناسبة، بعد ثلاث ساعات من الحروب والقتل والتهجير، بقي الطبق والحكاية والسيجارة. وحدهم الذين دُمرت حياتهم لم يكن لهم كرسي إلى المائدة.
لقد وعد المحور بالنصر، ثم خفّض الوعد إلى الصمود، ثم خفّض الصمود إلى البقاء، ثم صار بقاء السلاح فوق خرائب المجتمع نصراً كافياً.
عندما يصبح بقاء التنظيم أهم من بقاء المجتمع، لا نكون أمام مقاومة تحمي شعباً، بل أمام عقيدة تحتمي به.
ستبقى مائدتكم عامرة، على الأرجح، وسيظل لكل طبق عليها مذاقه وتاريخه وحكايته. ليت أخلاقكم ترتقي يوماً إلى مستوى الطعام الذي تتذوقونه، فتجدوا في وجوه المهجّرين والمقتولين من أجل هذا المنطق ما يستحق منكم أكثر من تعليق عابر بين طبقين. إلى ذلك الحين، هنيئاً لكم وليمتكم: طعامٌ كثير النكهة، ومنطقٌ بلا طعم، وأخلاقٌ لم تُدعَ إلى المائدة.
