“مجاهد وجندي صغير”… هكذا يرى محور الممانعة أطفاله
05/10/2026
A
“اليمني يولد رجلاً، أما الأطفال فهم في المملكة العربية السعودية”. قالها باحث وإعلامي يمني مقرّب من الحوثيين في مقابلة، في سياق حديثه عن المجتمع اليمني والحرب ودور الأطفال اليمنيين. قد تبدو العبارة مجرد جزء من الخطاب السياسي والإعلامي المعتاد بين الحوثيين وخصومهم، لكنها تختصر أيضاً نظرة ما يمثله الباحث اليمني من رؤية الحوثيين إلى الطفولة، ويستحق التوقف عند هذه الرؤية: الطفل هنا ليس طفلاً يُفترض أن يبقى بعيداً عن الحرب، بل “رجل” منذ ولادته، أي فرد جاهز لحمل السلاح والمشاركة في الحرب الدائرة.
على أرض الواقع، لم يبقَ الأمر في حدود الخطاب. وثقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية على مدى سنوات تجنيد الحوثيين للأطفال واستخدامهم في النزاع اليمني. وتقول هيومن رايتس ووتش إن أكثر من 10 آلاف طفل جرى تجنيدهم بين عامي 2014 و2021، نقلاً عن المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ومنظمة سام. كما وثقت المنظمة استخدام أطفال في القتال، ونقل الإمدادات، ونقاط التفتيش، إلى جانب أنشطة تهدف إلى تعبئتهم أيديولوجياً.
لكن اللافت في التجربة اليمنية أن الطريق إلى التجنيد لا يبدأ بالضرورة من الجبهة. فالمعسكرات الصيفية والأنشطة الموجهة إلى الأطفال شكلت، بحسب تقارير حقوقية، إحدى وسائل استقطابهم وتعبئتهم.
وهنا تصبح المسألة أوسع من سؤال: كم طفلاً حمل السلاح؟ السؤال هو: كيف يجري إعداد الطفل، منذ سنواته الأولى، ليكون جزءاً من مشروع الحرب؟
هذه النقطة تستحق النظر إليها أيضاً في لبنان، وإن كان السياق مختلفاً ولا يمكن وضع التجربتين في الخانة نفسها.
منذ سنوات، يعتمد حزب الله على شبكة واسعة من المؤسسات الاجتماعية والتربوية والكشفية. ومن أبرزها “كشافة المهدي”، التي تضم آلاف الأطفال والناشئين، وتجمع بين النشاط الكشفي والتربية الدينية والعقائدية. وقد تناولت دراسات وتقارير صحفية طبيعة البرامج التي يتلقاها المنتسبون إليها، بما فيها مفاهيم مرتبطة بالمقاومة والجهاد والشهادة.
أي أن العلاقة مع الطفل لا تبدأ عندما يصبح مقاتلاً. تبدأ في مرحلة أبكر بكثير، من خلال بناء صورة معينة عن العالم وعن الجماعة وعن العدو وعن الدور الذي يفترض أن يؤديه الفرد داخلها.
وهذا ينسجم مع الطريقة التي قدّم بها حزب الله “المقاومة” على مدى عقود: ليس كعمل عسكري منفصل عن المجتمع، بل كمشروع يمتد إلى التعليم والثقافة والعائلة والبيئة الاجتماعية.
في أحد الشعارات المرتبطة بمؤسسات الحزب التربوية، تظهر عبارة حسن نصرالله: “حيث يجب أن نكون سنكون”. وهي عبارة تحمل معنى واضحاً في خطاب “المقاومة”: الانتماء إليها ليس موقفاً ظرفياً، بل التزاماً يُفترض أن يرافق الفرد حيثما كان.
المشكلة تبدأ عندما تنتقل هذه الثقافة إلى الأطفال في سن مبكرة، وتصبح مفاهيم مثل “المقاومة” و”الشهادة” و”الجهاد” جزءاً من عملية التنشئة.
فالطفل الذي يتعلم منذ الصغر أن الشهيد هو النموذج الأعلى للتضحية، وأن المقاومة هي جزء أساسي من هويته، لا يتلقى مجرد معلومات عن نزاع سياسي. هو يتلقى تصوراً عن الدور الذي يفترض أن يؤديه في المستقبل.
وهنا يلتقي لبنان واليمن، رغم الاختلاف الكبير بين التجربتين.
في اليمن، وثقت منظمات دولية تجنيد الأطفال واستخدامهم مباشرة في الحرب من جانب الحوثيين. وفي لبنان، يظهر الأمر بصورة مختلفة، من خلال شبكة من المؤسسات والأنشطة التي تربط التربية بالهوية العقائدية والسياسية لـ”المقاومة”.
لا يعني ذلك أن كل طفل يشارك في كشافة المهدي سيصبح مقاتلاً، ولا أن النموذج اللبناني مطابق لما يحدث في اليمن. مثل هذا الربط سيكون تبسيطاً غير دقيق. لكن التشابه الأهم يقع في مكان آخر: في النظر إلى الطفل باعتباره جزءاً من معركة أكبر منه.
لكن إذا كان هناك ترابط بين التجربتين اليمنية واللبنانية، فلا يمكن تجاهل إيران في هذا الترابط. فالعلاقة بين الجمهورية الإسلامية وكل من حزب الله والحوثيين لا تقتصر على الدعم السياسي أو العسكري، بل تشمل أيضاً تقاطعاً في الرؤية الأيديولوجية ومفهوم “المقاومة” ودور الفرد داخلها. مع فارق أساسي: حزب الله نشأ أصلاً في بيئة متأثرة مباشرة بالنموذج الذي أطلقته الثورة الإسلامية في إيران، بينما طوّر الحوثيون حركتهم انطلاقاً من سياق يمني وزيدي خاص، قبل أن تتعمق علاقتهم بإيران وتزداد أوجه التقاطع بين الطرفين.
ومن هنا، يصبح من الصعب النظر إلى طريقة تقديم الأطفال في خطاب هاتين الحركتين بمعزل عن النموذج الإيراني نفسه. ففي إيران، لم تكن تعبئة الأطفال والناشئين ظاهرة هامشية مرتبطة فقط بالحرب الإيرانية-العراقية في الماضي. خلال عام 2026، وثقت منظمات حقوقية، برامج إعلامية مرتبطة بالسلطات الإيرانية حملات جديدة لتعبئة القاصرين تحت عناوين مثل “الدفاع عن الوطن” و”التضحية” و”المقاومة”.
وفي آذار، قالت هيومن رايتس ووتش إن الحرس الثوري الإيراني أطلق حملة لتجنيد متطوعين يمكن أن تبدأ أعمارهم من 12 عاماً، ووصفت تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة واستخدامهم في النزاعات المسلحة بأنه انتهاك خطير لحقوق الطفل. وفي أيلول، تحدث ساسان زارع، المتحدث باسم حملة “جانفدا”، عن السماح لفتيان فوق 15 عاماً بالتسجيل، مع وجود خطط لتوسيع التجنيد ليشمل من هم دون هذا السن. وقال إن الهدف من إشراك الأطفال والمراهقين هو تعريفهم منذ الصغر بـ”ثقافة التضحية والمقاومة” وترسيخ منظومة قيم تؤثر في مستقبلهم.
وهنا تحديداً تكمن أهمية التجربة الإيرانية بالنسبة إلى هذا النقاش. فالمسألة لا تبدأ بالضرورة عندما يُطلب من الطفل حمل السلاح. قد تبدأ قبل ذلك، عندما تتحول مفاهيم مثل التضحية والمقاومة والشهادة والدفاع عن الوطن إلى جزء من عملية بناء الهوية منذ الطفولة.
وهنا تتقاطع إيران وحزب الله والحوثيون، من دون أن تكون تجاربهم متطابقة. إيران طورت نموذجاً مؤسسياً للتعبئة العقائدية والعسكرية، وحزب الله بنى على مدى عقود منظومة اجتماعية وتربوية وكشفية واسعة داخل لبنان، فيما طوّر الحوثيون في اليمن مؤسسات وأنشطة تعبئة خاصة بهم. لكن في الحالات الثلاث، تظهر أهمية المرحلة التي تسبق حمل السلاح: مرحلة بناء الوعي، وتحديد صورة العدو، وتعريف معنى التضحية، وربط الانتماء الجماعي بمشروع “المقاومة”.
