التمهيد: من الانسحاب السوري إلى المواجهة الداخلية

بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005، دخل لبنان مرحلة سياسية جديدة.

أدّت التظاهرات الشعبية الواسعة إلى انسحاب الجيش السوري من لبنان بعد نحو 30 عاماً من الهيمنة. ومنذ ذلك الحين، انقسم المشهد السياسي اللبناني إلى معسكرين رئيسيين:

تحالف 14 آذار: مناهض لسوريا، ومدعوم من جزء كبير من الشارع السني والدرزي وأطراف من الساحة المسيحية.

تحالف 8 آذار: بقيادة حزب الله وحركة أمل، ومتحالف مع سوريا وإيران.

لكن السنوات التي سبقت 7 أيار لم تكن مجرد مرحلة من الانقسام السياسي. بل شهدت أيضاً سلسلة من الاغتيالات ومحاولات الاغتيال التي استهدفت شخصيات مناهضة لسوريا ولحزب الله، إضافة إلى صحافيين ونواب ومسؤولين أمنيين.

ومن بين الذين اغتيلوا:

رفيق الحريري (2005)
سمير قصير (2005)
جورج حاوي (2005)
جبران تويني (2005)
وليد عيدو (2007)
أنطوان غانم (2007)

فيما نجا آخرون، مثل مروان حمادة ومي شدياق والياس المر، من محاولات اغتيال.

كما جاءت هذه التطورات بعد عامين فقط من الحرب التي بدأها حزب الله مع إسرائيل في تموز 2006، والتي خلفت تداعيات كبيرة، أبرزها صدور قرار مجلس الأمن 1701 الذي قبل به حزب الله تحت الضغط قبل أن ينقلب عليه لاحقاً.

وفي صلب هذا التصاعد كان سؤال أساسي يفرض نفسه: هل يمكن لحزب الله أن يستمر كقوة مسلحة وبنية أمنية مستقلة خارج سلطة الدولة اللبنانية؟

وقد تصاعد هذا الجدل بعد حرب 2006 بين حزب الله وإسرائيل، التي دمرت أجزاء واسعة من لبنان وعززت الانتقادات لقرار الحزب العسكري المستقل عن مؤسسات الدولة.

ومع نهاية عام 2006، استقال حزب الله وحلفاؤه من حكومة فؤاد السنيورة، وأطلقوا اعتصاماً مفتوحاً في وسط بيروت استمر لأكثر من عام، ما شلّ العاصمة وأدخل المؤسسات السياسية في حالة متزايدة من الجمود.

الشرارة: شبكة اتصالات حزب الله

في 5 أيار 2008، اتخذت الحكومة اللبنانية قرارين أساسيين:

اعتبار شبكة الاتصالات الخاصة بحزب الله، القائمة على الألياف الضوئية، شبكة غير شرعية.

إقالة رئيس جهاز أمن مطار بيروت العميد وفيق شقير، بعدما اتُّهم بقربه من حزب الله.

بالنسبة للحكومة، كانت هذه قرارات سيادية.

لكن شبكة الاتصالات لم تكن تُعتبر مجرد بنية عسكرية. فقد اشتبهت قوى سياسية لبنانية وأطراف من فريق 14 آذار في أن الشبكة استخدمت أيضاً لتنسيق وإخفاء عمليات الاغتيال السياسي التي استهدفت خصوم حزب الله منذ عام 2004. أما حزب الله، فاعتبر المساس بالشبكة بمثابة إعلان حرب.

ووصف حسن نصرالله قرارات الحكومة بأنها “أخطر من حرب تموز”، متهماً الحكومة بخدمة المصالح الإسرائيلية والأميركية. وبعد يومين فقط، انفجرت بيروت.

في 7 أيار، سيطر مقاتلو حزب الله ومسلحون حلفاء له بسرعة على أجزاء واسعة من بيروت الغربية.

تعرّضت وسائل إعلام مرتبطة بتيار المستقبل للهجوم، واقتحمت مكاتب، وانتشر المسلحون في الشوارع. واندلعت الاشتباكات في بيروت قبل أن تمتد إلى جبل الشوف، حيث دارت مواجهات عنيفة بين عناصر حزب الله ومقاتلي الحزب التقدمي الاشتراكي الموالين لوليد جنبلاط.

وخلال ساعات قليلة، فرض حزب الله واقعاً كان كثير من اللبنانيين يخشونه من دون أن يواجهوه بالكامل:

الدولة اللبنانية لم تكن قادرة عسكرياً على مواجهة حزب الله.

استمرت الاشتباكات نحو أسبوعين، وأسفرت عن مقتل حوالي 80 شخصاً وإصابة المئات.

وفي نهاية المطاف، تموضع الجيش اللبناني إلى حد كبير كقوة فاصلة، بدلاً من الدخول في مواجهة مباشرة مع حزب الله، ما كرس واقعاً آخر سيطبع لبنان لاحقاً:

لا يمكن لأي طرف داخلي أن يفرض قراراته على حزب الله عبر مؤسسات الدولة وحدها.

اتفاق الدوحة: إنهاء القتال وتكريس موازين القوى

أدت الوساطات الإقليمية والدولية إلى انتقال الأطراف اللبنانية إلى الدوحة. وفي 21 أيار 2008، وقّع القادة اللبنانيون اتفاق الدوحة.

أنهى الاتفاق العنف المباشر، وأنتج عدة نتائج أبرزها:

انتخاب قائد الجيش ميشال سليمان رئيساً للجمهورية.

تشكيل حكومة وحدة وطنية.

منح المعارضة، بقيادة حزب الله وحلفائه، “الثلث المعطل” داخل الحكومة.

اعتماد قانون انتخابي مؤقت.

قُدِّم الاتفاق على أنه تسوية أعادت الاستقرار.

لكن سياسياً، رأى كثيرون أنه كرس واقعاً أعمق:

اعتراف رسمي بأن القوة المسلحة قادرة على إعادة تشكيل التفاوض السياسي في لبنان.

وكان “الثلث المعطل” تحديداً من أكثر نتائج الاتفاق تأثيراً.

فقد منح حزب الله وحلفاءه القدرة على إسقاط أي حكومة بمجرد الانسحاب منها، ما جعل من الصعب عملياً على أي حكومة مستقبلية أن تحكم خلافاً لمصالح الحزب.

وقد ظهر ذلك بوضوح في كانون الثاني 2011، عندما انسحب حزب الله وحلفاؤه من حكومة سعد الحريري، بينما كان الحريري يلتقي الرئيس الأميركي باراك أوباما في المكتب البيضاوي بواشنطن.

فسقطت الحكومة فوراً.

وأصبحت الرسالة واضحة: السلطة السياسية في لبنان ستبقى مشروطة بموافقة حزب الله.

التأثير الطويل الأمد: عصر التوافق القسري

بعد 7 أيار واتفاق الدوحة، دخل لبنان تدريجياً مرحلة “حكومات الوحدة الوطنية”. نظرياً، كان الهدف منها الحفاظ على التعايش ومنع الانفجار الداخلي.

لكن عملياً، أدّت في كثير من الأحيان إلى:

شلل سياسي.
غياب المحاسبة.
ضعف المعارضة.
تسويات دائمة بلا حلول فعلية.
حكومات يشارك فيها الجميع بالحكم، من دون أن يتمكن أحد فعلياً من الحكم.

وظلّ الدرس الضمني لـ7 أيار حاضراً في الحياة السياسية اللبنانية لسنوات:

أن المواجهات الكبرى لا يمكن حسمها عبر المؤسسات وحدها، إذا كان أحد الأطراف يمتلك تفوقاً عسكرياً ساحقاً. ويرى منتقدون أن ذلك حوّل لبنان من نظام سياسي تنافسي إلى نظام تحكمه معادلات الردع والخوف من التصعيد والتعايش المفروض.

أما بالنسبة لمناصري حزب الله، فقد جرى تصوير 7 أيار على أنه رد دفاعي في مواجهة محاولات استهداف “المقاومة”. في المقابل، اعتبره خصوم الحزب اليوم الذي استخدمت فيه الأسلحة الموجّهة ضد إسرائيل لتصفية السياسة الداخلية.

وبعد ما يقارب عقدين، لا يزال النظام السياسي الذي ولد بعد الدوحة — أي الشلل الناتج عن التوافق القسري — يطبع جزءاً كبيراً من الحياة السياسية اللبنانية حتى اليوم.