عند قراءة عنوان «الضمان بحلّة جديدة» تنتابك للحظة نشوة صغيرة: لعلّ قطار التغيير بدأ فعلاً، ولعلّ واحدة من أكثر مؤسسات الدولة حاجةً إلى الإصلاح دخلت أخيراً مساراً جديداً.

لكن ما إن تصل إلى اسم رئيس مجلس الإدارة الجديد حتى تتبدّد الحماسة: بشارة الأسمر.

المسألة هنا ليست شخصية، ولا تتعلق فقط بماضي الرجل، بل بالسؤال الأهم: هل نحن أمام تغيير فعلي في إدارة الضمان، أم أمام إعادة تدوير للمنظومة نفسها داخل مؤسسة جديدة؟

الأسمر هو رئيس الاتحاد العمالي العام منذ سنوات، وقد ارتبط اسمه سياسياً بعلاقة وثيقة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري. ففي عام 2018، وصف الأسمر بري علناً بأنه «الراعي الأول للحركة العمالية في لبنان»، فيما أشارت تقارير صحافية في عام 2019 إلى أن معركة خلافته على رأس الاتحاد كانت مرتبطة مباشرةً بالنفوذ السياسي لبري داخل الاتحاد. وفي 2025، عاد الأسمر ليشكر بري على «دعمه الدائم» للطبقة العمالية.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

الاتحاد العمالي العام يفترض أن يكون صوت العمال في مواجهة السلطة السياسية وأصحاب النفوذ، لا امتداداً لأي طرف سياسي. وعندما ينتقل رئيسه إلى رئاسة مؤسسة بحجم الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، يصبح من المشروع طرح سؤال الاستقلالية: هل نحن أمام إصلاح إداري فعلي، أم أمام استمرار منطق المحاصصة وإعادة توزيع المواقع داخل المنظومة نفسها؟

والأسمر ليس اسماً بلا سجل. ففي عام 2019، أُوقف على خلفية كلام مسيء للبطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير، وقبل الاتحاد العمالي العام استقالته من رئاسته آنذاك. ثم عاد إلى رئاسة الاتحاد في 2020، في مسار ربطته تقارير صحافية بمساعٍ سياسية وبرعاية نبيه بري.

لذلك، المشكلة ليست في أن يكون بشارة الأسمر قادراً أو غير قادر على إدارة الضمان، ولا في عدد أعضاء مجلس الإدارة الجديد.

المشكلة في الرسالة السياسية التي يحملها التعيين.

كيف يمكن أن نتحدث عن “حلّة جديدة” و”إصلاح” و”إعادة الثقة” إذا كانت الوجوه التي ارتبطت بالمنظومة القديمة تنتقل من مؤسسة إلى أخرى؟

المضمون اللبناني لا يحتاج إلى تبديل الكراسي فقط. يحتاج إلى ضمانات بأن أمواله وحقوقه الصحية والاجتماعية لن تبقى رهينة المحاصصة السياسية.

فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من عدد أعضاء مجلس الإدارة، بل من استقلال المؤسسة عن الأحزاب، ومن مساءلة من أوصل مؤسسات الدولة إلى هذا الانهيار.

وإلا، قد تكون “الحلّة الجديدة” مجرد تغليف جديد للصندوق نفسه.