من “وحدة الساحات” إلى حزام الاحتواء: حزب الله أمام بيئة إقليمية معادية غير مسبوقة
27/07/2026
A
لم يسبق لـ”حزب الله” أن وجد نفسه مضطرًا للعمل ضمن بيئة إقليمية معادية بالقدر الذي يواجهه اليوم.
فعلى امتداد معظم سنوات وجوده، لم يكن الحزب مجرد تنظيم لبناني معزول يسعى إلى البقاء وسط محيط معادٍ، بل شكّل ركيزة أساسية في بنية عسكرية عابرة للحدود تمتد من طهران مرورًا ببغداد ودمشق وصولًا إلى بيروت، فيما امتدت الجبهات الحليفة إلى غزة وصنعاء.
ولم تكن هذه الشبكة توفّر للحزب حلفاء سياسيين أو غطاءً أيديولوجيًا فحسب، بل ضمنت أيضًا تدفق الأسلحة والأموال والعناصر والخبرات العسكرية عبر الحدود. وفي عالم التنظيمات المسلحة غير الحكومية، تُعدّ هذه الشبكات اللوجستية عنصرًا حاسمًا، إذ يصعب على أي استراتيجية عسكرية أن تستمر من دونها.
كما وفّرت لإيران عمقًا استراتيجيًا، وعززت قدرتها على الردع وإسقاط النفوذ في أنحاء المنطقة من دون الاعتماد حصريًا على قواتها المسلحة التقليدية.
لذلك، لم يكن شعار “وحدة الساحات” مجرد خطاب سياسي، بل كان التعبير السياسي عن بنية مادية متكاملة تقوم على دول مخترقة، وحدود رخوة، وتنظيمات مسلحة موازية للدولة، وممرات لوجستية مفتوحة بلا انقطاع.
غير أن هذه البنية بدأت اليوم بالتفكك.
فالجغرافيا التي كانت تحمي حزب الله وتربطه بإيران تتحول تدريجيًا إلى طوق احتواء يضيّق الخناق عليه.
العراق: من العمق الاستراتيجي الإيراني إلى تحدٍّ معلن
لطالما احتل العراق مكانة محورية في الحسابات الاستراتيجية الإيرانية.
فالحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات في ثمانينيات القرن الماضي رسخت في العقيدة الأمنية الإيرانية صورة العراق بوصفه تهديدًا محتملًا، وفي الوقت نفسه حاجزًا استراتيجيًا لا غنى عنه.
وعندما أطاحت الولايات المتحدة بنظام صدام حسين عام 2003، سارعت طهران إلى استثمار الفراغ السياسي الذي خلّفته الأخطاء الأميركية.
فانهيار مؤسسات الدولة العراقية، وتفكك بنيتها، وصعود حركات التمرد السنية، أوجدت ظروفًا مثالية لترسيخ النفوذ الإيراني داخل النظامين السياسي والأمني الجديدين. وعملت طهران على بناء شبكة واسعة من الأحزاب السياسية والفصائل المسلحة والعلاقات التي مكّنتها من ممارسة نفوذ واسع في عملية صنع القرار العراقي.
وهكذا، تحوّل العراق من أخطر خصوم إيران الإقليميين إلى أحد أهم ميادين عمقها الاستراتيجي.
لكن بعد أكثر من عقدين، بدأت بغداد ترسم مسارًا مختلفًا.
فقد تعهدت حكومة رئيس الوزراء علي الزايدي باستعادة احتكار الدولة للسلاح، ونزع سلاح الفصائل العاملة خارج سلطة الدولة، كما التزمت بمنع استخدام الأراضي العراقية من قبل الجماعات المسلحة لتهديد الدول المجاورة.
ولا يعني ذلك أن النفوذ الإيراني في العراق قد انتهى. فما تزال الفصائل الموالية لطهران متغلغلة بعمق — وبصورة موزعة عمدًا بما يجعل تتبعها أكثر صعوبة — داخل المؤسسات الأمنية والسياسية والاقتصادية العراقية. كما لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الحكومة العراقية تمتلك القدرة المؤسسية الكافية لتفكيك هذه الشبكات.
إلا أن الاتجاه السياسي بحد ذاته يحمل دلالة كبيرة.
فمجرد إعلان حكومة في بغداد التزامها بحل البنى المسلحة المرتبطة بطهران يمثل مستوى من التحدي لم تكن إيران تتوقعه من دولة اعتبرتها لسنوات جزءًا آمنًا من منظومتها الإقليمية.
وتنعكس تداعيات هذا التحول مباشرة على لبنان.
ففي 15 تموز/يوليو، أفادت تقارير بأن وزارة المالية العراقية عممت تعليمات على المصارف والمؤسسات العامة والهيئات الرسمية المرتبطة بها لتنفيذ العقوبات الأميركية الأخيرة المفروضة على أفراد وشركات مرتبطة بالشبكة المالية لـ”حزب الله”.
ورغم أن الخطوة لم ترقَ إلى إنشاء نظام عقوبات عراقي مستقل، فإنها عكست استعداد بغداد لتطبيق قيود تستهدف كيانات مرتبطة بالحزب.
وأشارت تقارير لاحقة إلى أن التعميم ربما تم سحبه أو إلغاؤه. إلا أنه حتى لو كان تطبيقه مؤقتًا، فإن دلالاته السياسية تبقى مهمة، إذ يظهر أن الوجود المالي والتجاري لـ”حزب الله” في العراق لم يعد يتمتع بالحماية السياسية التلقائية التي كان يحظى بها سابقًا.
وبات العراق، الذي كان يومًا ساحة مفتوحة لإسقاط النفوذ الإيراني، يتحول تدريجيًا إلى ساحة متنازع عليها بات هذا النفوذ مضطرًا للدفاع عن نفسه فيها، بدلًا من ممارسته بحرية.
سوريا: انقطاع الممر الاستراتيجي
أما في سوريا، التي كانت الحليف الدولتي الوحيد لإيران في المنطقة، فإن التحول يبدو أكثر تأثيرًا.
ففي عهد بشار الأسد، شكّلت الأراضي السورية الجسر الحيوي الذي ربط “حزب الله” بإيران عبر العراق، حيث كانت الأسلحة والصواريخ والمعدات العسكرية والعناصر تنتقل عبر الممر الإيراني–العراقي–السوري قبل وصولها إلى لبنان.
ولم تكن سوريا مجرد حليف آخر ضمن محور إيران، بل كانت الحلقة الجغرافية التي حافظت على تماسك الشبكة بأكملها.
وبعد سقوط نظام الأسد، أقر الأمين العام لـ”حزب الله” نعيم قاسم علنًا بأن الحزب فقد طريق إمداده العسكري عبر الأراضي السورية.
ومنذ ذلك الحين، تبنت السلطات السورية الجديدة نهجًا مختلفًا تمامًا.
ففي 16 تموز/يوليو، أعلنت السلطات السورية ضبط شحنة من الأسلحة المتطورة كانت تعبر من العراق، وقالت إنها كانت متجهة إلى “حزب الله”. ووفق الرواية السورية، كانت صواريخ بعيدة المدى وقذائف وطائرات مسيّرة مخبأة داخل ناقلة نفط كانت في طريقها إلى مدينة بانياس.
في المقابل، نفى “حزب الله” أي صلة له بالشحنة، ورفض الاتهامات السورية.
وبغض النظر عن الروايات المتضاربة بشأن تلك الشحنة، فإن التحول الأكبر بات واضحًا.
ففي عهد الأسد، كانت الدولة السورية تؤمّن خطوط إمداد الحزب العسكرية، أما اليوم، فإن السلطات الجديدة تعمل على كشف هذه الخطوط وتعطيلها.
ولم تعد دمشق تؤدي دور الجسر الذي يربط إيران بلبنان، بل بدأت تتحول إلى حاجز يفصل بينهما.
ولا يقتصر الأمر على خسارة حليف سياسي، بل يمتد إلى فقدان البنية الجغرافية التي كانت تسمح بتحويل الدعم الإيراني إلى قوة عسكرية فعلية لدى “حزب الله”.
من الطوق الإقليمي إلى العزلة الاستراتيجية
عند جمع التطورات في العراق وسوريا، يتضح أنها لا تمثل مجرد انتكاستين منفصلتين.
فالعراق بدأ يضيّق المساحة السياسية والمالية والتنظيمية التي يتحرك فيها “حزب الله”، فيما تعمل سوريا على تعطيل البنية اللوجستية التي كانت تربطه مباشرة بإيران.
وفي الوقت نفسه، تواجه بقية جبهات المحور ضغوطًا متزايدة.
فقد تعرضت حركة “حماس” لتدمير عسكري واسع، وخسرت جانبًا كبيرًا من بنيتها الإدارية، وتخضع لضغط إسرائيلي متواصل، رغم احتفاظها بعناصر وقدرات عملياتية محدودة داخل قطاع غزة.
أما جماعة الحوثي، فما تزال قادرة على إطلاق الصواريخ وتهديد الملاحة البحرية، لكنها تواجه ضربات متكررة من إسرائيل والقوى الغربية، كما عادت إلى مواجهة مباشرة مع السعودية. وقد أعقبت الهجمات الحوثية الأخيرة على منشآت سعودية وخطوط الملاحة ضربات سعودية جديدة داخل اليمن، بما يؤكد أن الجبهة اليمنية لا تزال قائمة، لكنها أصبحت أكثر انكشافًا من أي وقت مضى.
ولا يعني ذلك أن الشبكة الإقليمية التي بنتها إيران قد انهارت بالكامل، أو أن جميع مكوناتها قد جرى تحييدها.
لكن هذه الشبكة لم تعد تتمتع بالاستمرارية الجغرافية، أو الحماية السياسية، أو حرية الحركة التي جعلتها في السابق واحدة من أكثر شبكات النفوذ الإقليمي فعالية.
لقد قامت عقيدة “وحدة الساحات” على فرضية أن الحدود يمكن أن تصبح بلا قيمة سياسية؛ بحيث تنتقل الأسلحة عبرها، وتنسق الفصائل الحليفة من خلالها، فيما تُمنع الدول الضعيفة من ممارسة سيادتها الفعلية عليها.
غير أن هذه الفرضية نفسها بدأت اليوم بالانقلاب.
ويبقى السؤال المطروح: هل يستطيع “حزب الله” إعادة تكييف استراتيجيته العملياتية مع هذه البيئة الإقليمية الجديدة، أم أن “وحدة الساحات” ستُسجل في نهاية المطاف باعتبارها العقيدة التي بلغت أقصى اتساعها الجغرافي، قبل أن يبدأ الإقليم بأسره في الانغلاق حولها؟
