حين تشتعل الحروب، غالباً ما تُدفع الثقافة والفنون إلى هامش الاهتمام، باعتبارها قطاعاً ثانوياً أمام الأولويات الأمنية والإنسانية. إلا أن القطاع الثقافي في لبنان أثبت خلال الحرب الأخيرة أنه من بين القطاعات الأكثر هشاشة وتأثراً بالأزمات، ليس فقط لدوره الثقافي والاجتماعي، بل أيضاً لأنه يشكل مصدر رزق لآلاف العاملين فيه.

ففي المناطق التي شهدت مواجهات مباشرة، توقفت المهرجانات والعروض الفنية وأغلقت مساحات ثقافية أبوابها نتيجة المخاطر الأمنية والنزوح. أما في المناطق التي بقيت بعيدة نسبياً عن القصف، فلم يكن الوضع أفضل بكثير، إذ فرض الخوف وعدم الاستقرار نفسه على الحياة الثقافية، فتراجعت الحركة وأُلغيت فعاليات وأُجّلت مشاريع فنية كان من المفترض أن تستمر رغم بعدها الجغرافي عن الحرب.

وتؤكد تجربة منتجة المسرح نايلة خوري أن تأثير الحرب على القطاع الثقافي تجاوز حدود الجغرافيا. فحتى العروض التي كانت مقررة في مناطق بعيدة عن المواجهات تأثرت بفعل الخوف وتراجع الحركة العامة، ما أدى إلى تجميد مشاريع فنية وإلغاء عروض كانت تشكل مصدر رزق للعاملين فيها. وهي صورة تعكس واقع قطاع كامل وجد نفسه متوقفاً عن الإنتاج والعمل، ليس بسبب استهدافه المباشر، بل بسبب المناخ الذي فرضته الحرب على البلاد بأكملها.

وتكمن خطورة هذا الواقع في أن خسائر القطاع الثقافي لا تُقاس فقط بعدد العروض الملغاة أو المسارح المقفلة، بل أيضاً بانقطاع مصادر الدخل عن الممثلين والمخرجين والتقنيين والمنتجين والعاملين في المجالات المرتبطة به. فكل عرض يُلغى يعني خسارة فرص عمل ودخل لعشرات الأشخاص الذين يعتمدون على هذا القطاع بشكل أساسي.

وفي بلد يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية خانقة، جاءت الحرب لتضيف تحدياً جديداً أمام قطاع كان يكافح من أجل البقاء. فالثقافة ليست ترفاً يمكن الاستغناء عنه في أوقات الأزمات، بل هي جزء من الاقتصاد اللبناني ومن هوية البلاد، واستمرارها يشكل دعماً ليس فقط للإبداع، بل أيضاً لآلاف العائلات التي ترتبط معيشتها بهذا القطاع.