في 15 تشرين الأول، أقرّ حزب الله بأنّ المتفجرات التي ضُبطت في ضهر البيدر تعود إليه. وكانت الشحنة، التي قيل إنّها تضم نحو 780 كيلوغرامًا من المواد المتفجرة، في طريقها من البقاع إلى بيروت.

وللمفارقة، لم يعتذر الحزب، بل طالب بالإفراج عن الموقوفين وإعادة المتفجرات إليه. والأكثر إثارة للانتباه أنّ النائب حسن فضل الله اعتبر قرار الحكومة حظر الأنشطة العسكرية لحزب الله كأنّه لم يكن.

صدر القرار في 2 آذار، ونصّ بوضوح على حظر جميع الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب، وإلزامه بتسليم سلاحه، وتكليف الأجهزة الأمنية تنفيذ الحظر فورًا.

بعد سبعة أشهر، يطالب حزب الله علنًا الدولة اللبنانية بإعادة المتفجرات التي صادرتها. وليست هذه المرة الأولى التي تتخذ فيها الحكومة قرارًا تعجز عن فرضه على أرض الواقع.

في 9 نيسان، قررت الحكومة تشديد سيطرة الدولة على بيروت وحصر السلاح بالقوى الأمنية الشرعية. وفي 17 نيسان، أكّد رئيس الحكومة نواف سلام أمام نواب بيروت أنّ القرار لا رجوع عنه، وأنّ تنفيذه سيتمّ بحزم.

بعد ستة أشهر، أين النتائج الملموسة والموثّقة علنًا لحصر السلاح في بيروت؟

في آب 2025، أقرّت الحكومة مبدأ حصر السلاح بيد الدولة. وفي كانون الثاني 2026، أعلن الجيش اللبناني إحراز تقدّم كبير في منطقة جنوب الليطاني، مع إقراره بأنّ عمليات أساسية لا تزال غير مكتملة.

ثم جاءت المناطق التجريبية، التي أُطلقت في إطار الاتفاق الإطاري الموقّع في حزيران 2026. وانتشر الجيش في زوطر الغربية في تموز، لكنّ المسؤولين اللبنانيين كانوا لا يزالون، بحلول أيلول، يبحثون آليات للتحقّق من نزع سلاح حزب الله وتوسيع نطاق هذه المبادرة.

كان انتشار الجيش واقعًا ملموسًا، لكنّ نزع السلاح بصورة شاملة، والتحقّق منه بشكل مستقل، مسألة أخرى تمامًا.

وعلى الصعيد المالي، تتكرّر الصورة نفسها.

في تموز 2025، حظر مصرف لبنان على المؤسسات المالية المرخّصة التعامل مع مؤسسة القرض الحسن وغيرها من الجهات المصنّفة. لكنّ هذا الإجراء لا يعني أن الدولة اللبنانية أغلقت مؤسسة القرض الحسن نفسها، ولا تفكيك البنية المالية التابعة لحزب الله.

وفي 13 تشرين الأول، أعلن الحزب برنامجًا جديدًا لتقديم مساعدات تصل إلى 14 ألف دولار للعائلات التي دُمّرت منازلها، في خطوة تعكس استمرار قدرته على حشد أموال كبيرة وتوزيعها خارج القنوات الرسمية المعتادة لإعادة الإعمار التي تديرها الدولة.

لا ينفي أيّ من ذلك الجهود التي يبذلها الجنود اللبنانيون والعناصر الأمنية والمحققون. فقد نجحوا في ضبط متفجرات ومصادرة أسلحة وتوسيع انتشار الدولة، في كثير من الأحيان وسط ظروف خطرة. كذلك، أعاقت الهجمات الإسرائيلية المستمرة والاحتلال الإسرائيلي تنفيذ الخطط في الجنوب.

لكنّ هذه الوقائع لا تعفي السلطات السياسية من مسؤولية قراراتها هي، ولا من واجب تنفيذها.

أعلنت الدولة حظر الأنشطة العسكرية لحزب الله، لكنّ الحزب يرفض القرار. وتعهّدت بجعل بيروت خالية من السلاح غير الشرعي، فيما لا تزال النتائج الفعلية غير مثبتة.  وأعلنت خططًا لنزع السلاح وإطلاق مناطق تجريبية، لكنّ التنفيذ لا يزال جزئيًا. وفرضت قيودًا على التعامل مع مؤسسات مالية مرتبطة بحزب الله، فيما تواصل الشبكة المالية الموازية عملها.

والآن، بعدما أعلن حزب الله صراحةً ملكيته لشحنة المتفجرات المصادرة، تعلن الحكومة فتح تحقيق جديد. لم تعد المشكلة في غياب القرارات الحكومية، بل في اتساع الهوّة بين القرارات التي تتخذها الدولة والقدرة على فرضها.

ما جدوى هذه القرارات إذا كانت الدولة عاجزة عن تنفيذها؟

يشكّل وصول رئيس للجمهورية وحكومة مستعدّة لرفض رؤية حزب الله للدولة، وسحب الغطاء السياسي الذي تمتّع به الحزب طويلًا، خطوة مهمّة إلى الأمام. فعلى خلاف أسلافهم، لم يعد رئيس الجمهورية والحكومة مجرّد ناطقين باسم الحزب، ولا يمنحانه شرعية سياسية تلقائية لأفعاله.

لهذا التحوّل أهميته. فهو يساعد على النأي بالدولة اللبنانية عن تبعات قرارات حزب الله، وقد يساهم في حماية بعض مؤسسات الدولة وبناها التحتية خلال الحرب. كما يفتح المجال أمام دبلوماسية مباشرة بين الدولة اللبنانية والحكومات الغربية، من دون أن يفرض حزب الله على لبنان موقفه الرسمي.

لكنّ للقرارات السياسية حدودًا لا يمكن تجاوزها من دون تنفيذ فعلي. وعلى المدى البعيد، فإنّ تكرار إعلان قرارات تفتقر الدولة إلى الإرادة أو القدرة اللازمة لتطبيقها قد يسبّب ضررًا أكبر من النفع الذي يُفترض أن تحققه. فكلّ قرار يبقى حبرًا على ورق يكشف حجم الفجوة بين السلطة التي تدّعي الحكومة ممارستها وتلك التي تمارسها فعلًا.

وإذا كان حزب الله، حتى بعد إضعافه، لا يزال قادرًا على ردع الحكومة عن تنفيذ قراراتها بحزم، فإنّ الرسالة تصبح واضحة لا لبس فيها: حتى حزب الله المُضعَف لا يزال أقوى من دولة لبنانية يُفترض أنّها قوية.