تكاد تكون قضيّة اختفاء الإمام موسى الصدر قضيّةً لبنانيّة، شيعيّة متأصّلة في تاريخ لبنان الحديث، لكثرة ما حملته من نظريات وتكهّنات قد لا تمتّ للحقيقة بصلة: قُتل، محتجز، رجع ولم نعرفه، هاجر…

تقرير للـ BBC أعاد الأذهان إلى القضيّة التي لم ينساها اللبنانيون أبداً، وأحدث ضجّة كبيرة لدى الشّيعة بعدما تحدّث التقرير عن تفاصيل تُروى للمرّة الأولى، واتّهم حركة أمل بإضاعة دليل ملموس كان سيحلّ معضلة اختفاء الإمام موسى الصدر.

القصّة باتت معروفة: ذهب الإمام للقاء الرئيس الليبي معمّر القذافي تلبيةً لدعوته، وفي 31 آب 1978 اختفى، ولدى السؤال عنه أخبروهم أنّه سافر إلى روما، ومن بعدها تمّ اكتشاف الحقيقة: أوراق الحجز وجميع الحجوزات مزوّرة.

والإمام الصدر بقي في ليبيا!

قبيل الثورة الإيرانيّة، كان الصدر على علاقة مع الطرفين: الشّاه من جهة، والمتشدّدين الإسلاميين من جهةٍ أخرى. فمن ناحيةٍ، لا يريد للشّاه أن يستمرّ بحكمه الجائر، ومن جهةٍ أخرى، لا يريد لإيران أن تتّسم بالطابع الديني الذي يحمله المجتمع الإيراني اليوم.

لذلك، وقبيل زيارته لليبيا، أرسل موسى الصدر رسالةً للشّاه عارضاً عليه فيها بعض التحسينات في حكمه ليحفظ إيران قبل أن يخسرها. الرّسالة، حسبما يقال، تسرّبت إلى المتشدّدين الإسلاميين، ما جعله هدفاً لهم.

وفي الوقت ذاته، كانت الفصائل الفلسطينيّة مشتبكة مع القوات الإسرائيليّة، وكان الصدر همّه الوحيد هو الحفاظ على المدنيين الشيعة مهما كانت النتيجة، ما أثار غضباً فلسطينيّاً حينها، وجعله هدفاً لهم أيضاً.

في عام 2011، ذهب الصحفي قاسم حمادة إلى ليبيا. أُبلغ حينها أنّ هناك جثثاً تعود لثلاثة عقود محفوظة في برّاد للموتى، قد تكون إحداها للإمام الصدر. سارع حمادة إلى المكان، وهناك كانت الصدمة. من 17 جثّة، كانت هناك واحدة تشبه الإمام الصدر لسببين: الأوّل لطول قامة الجثّة، وثانياً لملامح الوجه القريبة من ملامحه، رغم تآكلها. حينها التقط قاسم بعض الصور وأخذ عيّنات من الشعر، سلّمها لقيادة حركة أمل ليتحقّقوا من الحمض النووي ويحلّوا اللغز.

حركة أمل، عند سؤالها فيما بعد عن نتائج التحليل، صرّحت أنّ عيّنات الشعر قد ضاعت بسبب خطأ تقني، ما يثير الكثير من الأسئلة: كيف لحركة الصدر التي تطالب بحلّ القضيّة منذ سنوات أن تضيّع هكذا دليل؟ إلا إذا كان لنبيه برّي مصلحةٌ شخصيّة في استمرار الملف دون حلّ.

الصور التي التقطها حمادة كانت الدليل الوحيد، وهذا ما دفع فريق عمل الـBBC لعرضها على جامعة “برادفورد”، التي حلّلتها مع صور الصدر القديمة، وصور لأفراد عائلته، وصور لرجال شرق أوسطيين. والنتيجة جاءت كالتالي:

تحليل الصور باستخدام الخوارزميّة أشار إلى أنّ الجثّة إمّا للصدر أو لأحد أقاربه كأقرب تقدير، مع أنّه لا أقارب للصدر في ليبيا، ما يُبقي حقيقةً واحدة قريبة، وهي أنّ الجثّة هي جثّة الصدر.

التحليل يشير إلى أنّ الجمجمة تعرّضت لضربة قويّة، ما يعزّز فرضيّة الاغتيال، إضافةً إلى أنّ شهود عيان صرّحوا إلى أنّ سيارة الصدر خرجت من الفندق قبل لقاء القذّافي حتّى. وبين المتشدّدين الإيرانيين الذين اتّهموا الصدر بالخيانة، والفلسطينيين الذين وجدوا أنّه سيطلب من القذّافي كبح جموحهم، ونبيه برّي الذي استلم من بعده وأضاع الـDNA، بات من الواضح أنّ الصدر قد قُتل، لكن من الذي قتله؟