فرنسا… العودة إلى الإيمان؟
30/09/2026
A
قدّمت زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى فرنسا أكثر من مجرد صور لافتة للحشود والكاتدرائيات والاحتفالات، فقد سلّطت الضوء عن تحوّل يتبلور خلف المشهد الظاهر في واحدة من أكثر المجتمعات علمانية في أوروبا: تجدد الفضول تجاه الإيمان.
في عام 2026، تعمّد أكثر من 21 ألف شخص في فرنسا في الكنيسة الكاثوليكية، بينهم 13 ألف بالغ. وخلال عقد واحد، ارتفع عدد المعمّدين البالغين إلى أكثر من ثلاثة أضعاف، فيما بات الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً يشكّلون الفئة العمرية الأكبر بين البالغين الذين يعتنقون المسيحية.
هذا لا يعني أن فرنسا تتحول فجأة إلى بلد متدين من جديد، فلا تزال العلمانية متجذّرة بعمق في المجتمع الفرنسي، لكن شيئاً ما يتغيّر.
فعلى مدى عقود، ابتعدت فرنسا تدريجياً عن الدين الممنهج، إلا أن تراجع الممارسة الدينية لم يؤدِ بالضرورة إلى اختفاء حاجة الإنسان إلى المعنى الحقيقي للدين.
اليوم، يعيش الناس في مختلف أنحاء العالم تحوّلاً عميقاً آخر، فالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يعيدان تشكيل تفاصيل الحياة اليومية، ويقدّمان إجابات عن الأسئلة، وينتجان المحتوى، ويؤثران بشكل متزايد في طريقة عملنا وتواصلنا. وربما تحديداً لأن التكنولوجيا أصبحت بهذه القوة، بدأ الناس في المقابل بطرح أسئلة قديمة من جديد: من أنا؟ ما الذي يمنح الحياة معناها؟ وأين أنتمي؟
ويبحث الناس عن إجابات في أماكن مختلفة، فبعضهم يتجه نحو حضارات وتقاليد قديمة، ويستكشف الهند وممارسات الشعوب الأصلية في الأمازون وغيرها، إلى جانب التأمل والطقوس وأشكال من الروحانيات التي سبقت المجتمع الحديث بآلاف السنين. فيما يعيد آخرون اكتشاف أديان راسخة صمدت عبر قرون، من بينها المسيحية.
قد تختلف المسارات، لكن البحث الكامن وراءها قد يكون واحداً: المعنى، والهوية، والانتماء، والشعور بوجود شيء أكبر من ذواتنا.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم العودة إلى المسيحية، جزئياً، باعتبارها بحثاً عن خشبة خلاص. وقد تحمل هذه العودة أيضاً بُعداً هوياتياً. فبالنسبة إلى البعض، يشكّل اكتشاف المسيحية من جديد وسيلة لإعادة الاتصال بهوية ثقافية وتاريخية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تمييع الهوية في النقاش العام.
كما يمكن قراءة هذه الظاهرة بوصفها رد فعل على ما يعتبره البعض شكلاً مبالغاً فيه من العلمانية، أو على شعور مستمر بالذنب يرتبط بالماضي الاستعماري لفرنسا.
هذا ليس تطرفاً، كما أن إعادة اكتشاف المسيحية لا تعني بالضرورة العودة إلى فرنسا الماضي.
لطالما عُرفت فرنسا بأنها «الابنة الكبرى للكنيسة». ولا تزال كاتدرائياتها وقديسوها وقرون من الثقافة المسيحية حاضرة بعمق في تاريخها، والتوقيت بحد ذاته لافت.
فمع توجه فرنسا نحو انتخاباتها الرئاسية المقبلة عام 2027، تأتي زيارة البابا ليو في لحظة سياسية حساسة. وخلال لقائه بالرئيس إيمانويل ماكرون، تحدث البابا بشكل مباشر عن قضايا من بينها أخلاقيات علم الأحياء والذكاء الاصطناعي، داعياً المجتمع إلى عدم «فقدان إنسانيتنا».
فهل يمكن لهذا الحضور المتجدد للمسيحية وللهوية أن يلعب دوراً في رسم مستقبل فرنسا؟ من المبكر جداً الجزم بذلك.
لكن بعد عقود من تراجع الإيمان، يبدو أن الروحانية تستعيد مساحة لها من جديد. ومن الطبيعي أن يكون للمسيحية نصيب من هذا البحث، وربما تصبح فرنسا، على نحو غير متوقع، مكاناً لبداية جديدة.
