لم يعد الأمر مجرّد تكهّنات. وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي يجري تهميشه بشكل واضح من جانب بعبدا والسراي الحكومي.

يكفي النظر إلى أبرز الزيارات الخارجية التي قام بها رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في الأشهر الأخيرة، من واشنطن وأنقرة، إلى الدوحة وروما، مروراً ببغداد ودمشق. في معظم هذه المحطات، يغيب وزير الخارجية عن المشهد.

قد تكون بعض هذه الحالات قابلة للتبرير. زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن، مثلاً، كانت محطة سياسية بامتياز لرئيس الجمهورية، خصوصاً بعد لقائه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب. ومن الطبيعي سياسياً أن يرغب عون في الاحتفاظ بهذا الزخم لنفسه، خصوصاً أن نجاح الزيارة عزّز موقعه داخلياً وخارجياً.

كذلك، فإن غياب رجي عن مسار المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية يحمل أبعاداً أكثر تعقيداً. فكونه وزيراً محسوباً على القوات اللبنانية يجعل وجوده في هذا المسار أكثر حساسية، خصوصاً في ظل العلاقة المتوترة بين معراب وحزب الله. صورة وزير خارجية محسوب على القوات اللبنانية وهو يتفاوض مع إسرائيل ليست بالضرورة الصورة التي يرغب أي طرف في إظهارها، بما في ذلك رجي نفسه، أو أن تُحمّل بها المفاوضات.

لكن الأمر يصبح أصعب في التبرير عندما يتحول غياب رجي إلى قاعدة، ويُستبعد عمداً عن الزيارات الخارجية الأساسية التي يفترض أن يكون وزير الخارجية جزءاً طبيعياً منها.

وهنا لا يعود الموضوع متعلقاً بشخص الوزير فقط، بل بصورة المؤسسات التي يفترض أن يعيد عون ورئيس الحكومة نواف سلام بناءها. فكيف يمكن الحديث عن تعزيز مؤسسات الدولة، فيما يجري تجاوز موقع وزير الخارجية في ملفات ولقاءات خارجية أساسية؟

ما الذي يمكن أن يفسّر إذاً هذا المسار؟

أحد التفسيرات يرتبط بالفارق الكبير في الأسلوب السياسي بين عون وسلام من جهة، ورجي من جهة أخرى. فالوزير يتعامل مع الملفات الخارجية بهامش سياسي أوسع، ولا يبدو مضطراً دائماً إلى مراعاة الحسابات نفسها التي تحكم تحركات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.

هذا الموقف الصريح، والذي أكسب رجي شعبية لدى شريحة من اللبنانيين، قد يتحول في المقابل إلى مصدر إزعاج سياسي لعون وسلام، اللذين يضطران إلى إدارة شبكة أكثر تعقيداً من التوازنات، لا تقتصر على الداخل اللبناني بل تشمل أيضاً عواصم وقوى خارجية.

في بعض الملفات، قد يبدو أن رجي يتحرك بما ينسجم أكثر مع الخطاب السياسي لمعـراب، وأحياناً مع مواقف شعبوية، منه مع السقف الدبلوماسي الذي يحاول عون وسلام تثبيته للدولة اللبنانية.

ولا يمكن تجاهل خلفية أخرى أكثر حساسية. ففي بدايات عهد عون، شارك رجي، بشكل مباشر أو غير مباشر، في مسارات سياسية فُهم منها أنها تهدف إلى إضعاف رئيس الجمهورية داخلياً وخارجياً، ضمن صراع أوسع على النفوذ بين بعبدا ومعراب. ويبدو أن عون لم يتجاوز هذه المرحلة تماماً.

في الظروف المثالية، ربما كان منصب وزير الخارجية يحتاج إلى شخصية تمتلك مواقف مبدئية وحازمة كالتي يتمتع بها رجي، لكن من دون ارتباط مباشر بحزب سياسي كبير، وما يرافق هذا الارتباط من حسابات وأعباء سياسية.

فالقرب من معراب لم يتحول فقط إلى عامل يقيّد حركة رجي، بل بات، في بعض الملفات، عبئاً على عمله وعلى مستوى التنسيق السياسي بينه وبين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.

وهذا يصبح أكثر وضوحاً إذا أخذنا في الاعتبار أن سلام أصرّ منذ تشكيل حكومته على حكومة لا تقوم على الاصطفافات الحزبية المباشرة، فيما يظهر وزراء القوات اللبنانية، وعلى رأسهم رجي، ارتباطهم السياسي بالحزب بشكل أكثر وضوحاً من سواهم.

لكن استمرار الوضع على هذا النحو ليس حلاً على المدى الطويل.

أن يُدفع وزير الخارجية إلى الهامش بشكل متكرر ومن دون تفسير مقنع لا يسيء إلى رجي وحده، بل يضعف صورة الدولة اللبنانية ومؤسساتها. وإذا كانت لدى عون وسلام ملاحظات على أداء رجي أو على طريقة إدارته للسياسة الخارجية، فمن حقهما، وربما من واجبهما، وضع حدود واضحة للتحرك الدبلوماسي للدولة.

وربما يكون على رجي أيضاً أن يبدي استعداداً أكبر للتكيف مع الاستراتيجية التي يضعها رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وألا يتجاوز السقف السياسي الذي ترسمه الدولة.

لكن في المقابل، لا يمكن أن يكون الحل بتجاوز وزير الخارجية وتهميشه. المطلوب هو آلية سياسية ومؤسساتية أوضح لإدارة هذا الخلاف، لأن تجاهل رجي لا يعالج المشكلة، بل يضيف مشكلة جديدة إلى أزمة الثقة بالمؤسسات اللبنانية.